وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ .
ــ
الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾، وهي أعظم آية في كتاب الله ﷿، لماذا صارت أعظم آية في كتاب الله؟، لأنها اشتملت على النفي والإثبات: نفي النقائص عن الله تعالى، وإثبات الكمال لله ﷿ والشاهد منها قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ نفي، أي: لا أحد، " ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ " أي: عند الله تعالى، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فهو الذي يأذن للشفعاء أن يشفعوا، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع أبدًا، لا الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الأولياء، ولا الصالحين، وهذا محل الشاهد؛ أن الشفاعة لا تكون إلاّ بإذن الله، ففي هذا رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء بدون إذنه ﷾ في ذلك، وزعموا أن هؤلاء الشفعاء يقومون بما يريدون منهم عند الله ﷿، ولذلك صرفوا لهم العبادة، فصاروا يذبحون للقبور، وينذرون لها، ويطوفون بها، ويتبركون بها، ويتمسحون بترابها، وبجدرانها، يعبدونها من دون الله، لأنهم يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، تركوا الله ﷿ وعبدوا غيره، فعملهم هذا حابط باطل، لأنهم يضعونه في غير محله، وقاسوا الخالق على المخلوق.
ثم ساق ﵀ آية النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، كم هنا بمعنى: كثير، فهي خبريّة، أي: كثير من الملائكة.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن موطن الملائكة: السماوات، ومع كثرتهم ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذا نفي، لأن ﴿شَيْئًا﴾: نَكِرة في سياق النفي، أي: لا تغني شيئًا أبدًا إلاّ بشرطين: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ﴾ هذا الشرط الأول. ﴿وَيَرْضَى﴾ هذا الشرط الثاني.
ويأذن للشافع أن يشفع، ويرضى عن المشفوع فيه أن يُشفع فيه، وهو المؤمن الموحّد الذي عنده ذنوب يستحق بها العذاب، فإذا أذن الله جل وعلا في الشفاعة فيه، فإنه تنفعه الشفاعة، ويسلم من العذاب بإذن الله ﷿.
فدلّ على أن الأمر كله الله ﷾، وتُطلب الشفاعة وغيرها من الله، ولا يُتعلّق على غيره، ولا تُصرف العبادة إلاّ له، ولا يُدعى إلاّ هو ﷾، ولا يجوز اتخاذ