218

Iʿānat al-mustafīd bi-sharḥ kitāb al-tawḥīd

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الطبعة الثالثة

Publication Year

١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م

ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان،
ــ
يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾، والذي في السماء هو الله ﷾، أي: العلو، هو العلي الأعلى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، والعرش هو أعلى المخلوقات، وسقف المخلوقات وأعظمها.
وقال النبي ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال لسيّدها: "أعتقها، فإنها مؤمنة" والأدّلة على ذلك كثيرة، وقد صنّف الحافظ الذهبي ﵀ كتابًا سمّاه: "العلو للعليّ الغفّار" ساق فيه الأدلة على علو الله على عرشه، وهي كثيرة.
قال العلماء: إن أدلة علو الله على عرشه تبلغ ألف دليل أو أكثر من الوحي، ومن الفطرة، ومن الأدلة العقلية، وهذا ثابت لا شك فيه، ولا ينكره إلاّ الملاحدة من الجهميّة وغيرهم.
وقوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها" الملائكة من أعظم المخلوقات، لا يعلم عِظَمِ خِلْقة الملائكة إلاّ الله ﷾، وإذا كانوا على هذه الحالة من العِظَم، ومع هذا لا تصلح عبادتهم من دون الله، فهم مع قوّتهم وعِظَم خِلْقَتهم يخافون من الله ﷾، إذا سمعوا كلامه ضربوا بأجنحتهم. وهذا فيه إثبات الأجنحة للملائكة، وهي ثابتة بالقرآن كما في قوله تعالى: ﴿رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ .
"خضَعانًا" هذا مفعول لأجله، يعني: لماذا ضربوا بأجنحتهم؟، لأجل الخضوع لله. وتعظيمًا له، وخوفًا منه ﷿.
فإن كانت هذه حالتهم فلا يجوز أن يُعبدوا مع الله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، قال تعالى في حقهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ .
"لقوله" أي: لقول الله ﷾، فيه إثبات القول لله، وإثبات الكلام لله جلّ وعلا، وأنه يتكلّم كما يليق بجلاله ﷾، كلامًا يُسمع، تسمعه الملائكة، ويسمعه جبريل، وإذا سمعه الملائكة أصابهم هذا الرُّعب والخوف من الله.
قوله: "كأنه" أي: كأن قوله تعالى ويكَلُّمه سبحانه بالوحي.
"سلسلة على صفوان " تشبيه لصوت الوحي الذي يأتي إلى المَلَك، أو صوت

1 / 222