فقال: "كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
ــ
انظروا يا عباد الله، معصية واحدة وليست من الجميع، وإنما هي من بعض الصحابة حصل بسببها هذه العقوبة على خير الخلق، فكيف بنا نحن، ونحن نرتكب من المعاصي والمخالفات الشيء الكثير؟، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، فهذا فيه خطورة المعاصي، ومخالفة أمر النبي ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا تطمين لهم بعدما وَبَّخهم ﷺ، لأنهم أحبابه وأولياؤه.
وقد "شُجَّ النبي ﷺ" وهذا دليل على أن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلا تجوز عبادته.
وهذا من أدلة بطلان الشرك؛ أن المخلوق وإن بلغ من المنزلة العالية فإنه مخلوق، لا يستحق شيئًا من العبادة، فأشرف الخلق محمد ﷺ وقع عليه الضرر، ج وجُرح- ﵊، فدلّ على أنه لا تجوز عبادته من دون الله، وإذا كان كذلك فغيره من باب أولى، فلا تجوز عبادة الأولياء والصالحين ومَن دون ذلك، لأن كل الخلق لا تجوز عبادتهم، لا الملائكة، ولا النبييون، ولا الأولياء، ولا الصالحون. العبادة حق لله ﷾، لا يجوز صرفها لغيره، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ .
فإذا كان الرسول لا تجوز عبادته من دون الله ﷿، فكيف بغيره من الخلق؟، والرسول لم يستطع الدفع عن نفسه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ .
ولما شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد قال- ﵊: "كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " استبعد ﷺ فلاحهم، واستبعد استجابتهم للدعوة، لأنهم بلغوا من العناد، وبلغوا من المشاقة إلى هذا الحد، فهؤلاء بعيد أن يستجيبوا، وإذا لم يستجيبوا فلن يفلحوا، ولكن الله جل وعلا يعلم المستقبل وما يكون، فعاتبه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ وهذا- أيضًا- دليل آخر على عدم استحقاقه لشيء من العبادة، الأمر في هذا الكون والتدبير لله ﷾،