كأنه قَيْدُ فِضّةٍ حَرِجٌ ... فُضَّ عن الصائمين فاخْتالوا
كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها، وأَوْهَمَ أن الذي جرى العُرْف بأن يؤخذ منه الشَّبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة، ولم يقتصر على دعوى حُصوله حتى نصب له عِلَّة، وأقام عليه شاهدًا، فأثبت عُلبة زفافًا بين السماء والأرض، وجعل أبو تمام للسحاب حبيبًا قد غُيّب في التراب، وادَّعى السريُّ أن الصائمين كانوا في قَيْدٍ، وأنه كان حَرِجًا، فلما فَضَّ عنهم انكسر بنصفين، أو اتسع فصار على شكل الهلال، والفرق بين بيت السريّ وبيتي الطائييَّن، أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامّيٌّ جارٍ على الألْسُن، وجعلُ القَطْرِ الذي ينزل من السحاب دموعًا، ووَصْفُ السحابِ والسماءِ بأنها تبكي، كذلك، فأمّا تشبيه الهلال بالقَيْدِ فغير معتاد نفسه إلاّ أنَّ نظيرَه معتاد، ومعناه من حيث الصورة موجود، وأعني بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسِّوار المنفصم، كما قال:
حاكيًا نِصفَ سِوارٍ ... مِنْ نُضارٍ يتوقَّدْ
وكما قال السري نفسه:
ولاح لنا الهلال كشطر طَوْقٍ ... على لَبَّاتِ زَرقاءِ اللباسِ
إلا أنه سَاذَجٌ لا تعليل فيه يجب من أجله أن يَكُون سِوَارًا أو طَوْقًا، فاعرفه،