..............................................................................
فثبت من هذا الاستثناء: أن الاستثناء بعد النهي لا يفيد الوجوب والركنية، وإنما
يفيد الإباحة؛ لا سيما إذا وردت هذه الإباحة على سببٍ حادثٍ؛ لا ابتداءً؛ فلا يبقى
ريبة في أنها إباحة مرجوحة غير مستحسنة ولا مرضية، ويدل على ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة مرسلًا: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه:
" هل تقرؤون خلف إمامكم؟ ". قال بعض: نعم. وقال بعض: لا. فقال:
" إن كنتم لا بدَّ فاعلين؛ فليقرأ أحدكم بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في نفسه ".
فمن قال: لا؛ لم يأمره بالإعادة. ثم قال: " إن كنتم فاعلين " - ووزانه وزان قول الله
﷿: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ -، ثم قال:
" فليقرأ أحدكم "؛ فلفظُ: " أحدكم "، لغير الاستغراق.
وأما قوله ﷺ:
" فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن "؛ فهو بيان وصف في ﴿الفَاتِحَة﴾، وأنها من
وصفها كذا، لا حكم به الآن ها هنا، والوصف لا يستلزم الحكم ما لم يحكم، ولم
يحكم إلا بالإباحة.
نعم؛ يكون حكمًا سابقًا، وهو إذن لغير المقتدي، ثم سبق هنا ثانيًا لغير المقتدي
على أنه بيان وصف في ﴿الفَاتِحَة﴾، فجعلوه حكمًا الآن، وليس كما ينبغي! وهو كقولنا
لابن سَبْعٍ: صلِّ؛ فإنه لا دين لمن لا صلاة له. فالصلاة ليست بواجبة على ابن سبع
بالإجماع؛ ولكن علله بقوله: فإنه لا دين لمن لا صلاة له. يعني: لما كان شأن الصلاة هكذا
- بأنه لا دين لمن لا صلاة له -؛ صح أن يقال لابن سبع: صل. من غير وجوب ولا افتراض.
فكذا قوله ﷺ: " لا تفعلوا إلا بـ: ﴿أم القرآن﴾؛ حكم بالإباحة، ثم علل
لاستثناء ﴿الفَاتِحَة﴾ بقوله: