Al-arbaʿūn ḥadīthan
الاربعون حديثا
نقلها إلى العقول الضعيفة ، للحصول على المقامات الدنيوية ، لا تكون مثل هذه العلوم من الآيات المحكمة ، وإنما هي حجب غليظة وأوهام واهية ، لأن الإنسان إذا لم يبتغ من وراء طلب العلم ، الوصول إلى الحق ، والتحقق بأسماء الله وصفاته ، والتخلق بأخلاق الله ، سيتحول كل واحد من إدراكاته إلى دركات ، وحجب مظلمة ، تسود قلبه وتعمي بصيرته ، ويصبح من مصاديق الآية المباركة التي تقول : «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى» (1) .
فإن المقياس في البصر في عالم الآخرة ، هو بصيرة القلب ، وأن الجسم والقوى يكونا في الآخرة تابعين للقلب واللب ، وأن ظلية ذلك العالم ، لهذا العالم تبدو وبنحو أتم ، وأن ظل الأعمى والأصم والأبكم تجاه آيات الله ، هو العمى والصمم والبكم في يوم القيامة .
لا يظن علماء المفاهيم والمصطلاحات والعبارات ، وحافظو الكتب في الصدور ، بأنهم من أهل العلم بالله والملائكة واليوم الآخر ، فلو كانت علومهم علامة وآية على معرفة الله فلماذا لم تتنور قلوبهم من الآثار النورانية ؟ نعم قد اضيفت على ظلمات قلوبهم ومفاسد أخلاقهم وأعمالهم الظلمات والفساد . والقرآن الكريم قد ذكرالمقياس لمعرفة العلماء حيث يقول : «إنما يخشى الله من عباده العلماء» فمن لا يخشى ولا يخاف من الحق المتعالي فلا يعد من العلماء .
هل في قلوبنا شيء من آثار الخشية ؟ وإذا كانت فلماذا لم يبد أثر منها على ظاهرنا ؟ ففي الحديث الشريف عن الكافي بسنده إلى أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد الله عليه السلام (أبا جعفر خ ل) يقول كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : يا طالب العلم إن للعلم فضائل كثيرة ، فرأسه التواضع ، وعينه البراءة من الحسد ، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق ، وحفظه الفحص ، وقلبه حسن النية ، وعقله معرفة الأشياء والأمور ، ويده الرحمة ، ورجله زيارة العلماء ، وهمته السلامة ، وحكمته الورع ، ومستقره النجاة ، وقائده العافية ، ومركبه الوفاء ، وسلاحه لين الكلمة ،وسيفه الرضا ، وقوسه المداراة ، وجيشه محاورة العلماء ، وماله الأدب ، وذخيرته اجتناب الذنوب ، وزاده المعروف ، وماؤه الموادعة ، ودليله الهدى ، ورفيقه محبة الأخيار» (2) .
إن ما استعرضه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يكون من علامات العلماء ، وآثار العلوم ، فمن حصل على العلوم السائدة وكان خاليا من هذه الآيات ، فليعلم بأنه لاحظ له من الاربعون حديثا :359
Page 358