205

Anwār al-burūq fī anwāʾ al-furūq

أنوار البروق في أنواء الفروق

Publisher

عالم الكتب ومطبعة دار إحياء الكتب العربية

Edition

الأولى

Publication Year

1347 AH

Publisher Location

بيروت ومصر

إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ وَعَالِمُ الْعُلَمَاءِ فَجَمِيعُ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ فَوَّضَهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي رِسَالَتِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَوَلَّى مَنْصِبًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَا مِنْ مَنْصِبٍ دِينِيٍّ إلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ فِي أَعْلَى رُتْبَةٍ غَيْرَ أَنَّ غَالِبَ تَصَرُّفِهِ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ لِأَنَّ وَصْفَ الرِّسَالَةِ غَالِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ تَقَعُ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ مِنْهَا مَا يَكُونُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْفَتْوَى إجْمَاعًا وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْقَضَاءِ وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ رُتْبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى ثُمَّ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ تَخْتَلِفُ آثَارُهَا فِي الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ مَا قَالَهُ ﷺ أَوْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا عَلَى الثِّقْلَيْنِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ أَقْدَمَ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ اجْتَنَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵇ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵇ وَلِأَنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ دُونَ التَّبْلِيغِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ وَلِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ الْفُرُوقُ بَيْنَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَنُحَقِّقُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ) قُلْت لَمْ يُجَوِّدْ التَّعْرِيفَ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا أَوْضَحَهَا كُلَّ الْإِيضَاحِ وَالْقَوْلُ الَّذِي يُوَضِّحُهَا هُوَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَنْفِيذِهِ فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّسُولُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُبْلِغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الرِّسَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُفْتِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَنْفِيذِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُهُ ذَلِكَ بِفَصْلٍ وَقَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَلِكَ هُوَ الْإِمَامُ وَتَصَرُّفُهُ هُوَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى الْأَعَمِّ وَمِنْهَا الْمُحْرِمُ لَا يَجِدُ مَا يَقُوتُهُ إلَّا مَيْتَةً أَوْ صَيْدًا تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ فَقَطْ فَيُقَدَّمُ الصَّيْدُ فِي الِاجْتِنَابِ عَلَى الْمَيْتَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ أَخَصُّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذْ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ يَشْمَلُ الْحَاجَّ وَغَيْرَهُ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْفَتْوَى]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْفَتْوَى وَهِيَ التَّبْلِيغُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْإِمَامَةِ) لَمَّا كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرَ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامَ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِيَ الْقُضَاةِ وَعَالِمَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ فَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي رِسَالَتِهِ جَمِيعَ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ مَنْ تَوَلَّى مَنْصِبًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَا مِنْ مَنْصِبٍ دِينِيٍّ إلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ فِي أَعْلَى رُتْبَةٍ نَعَمْ غَالِبُ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ لِأَنَّ وَصْفَ الرِّسَالَةِ غَالِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّ تَصَرُّفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْفَتْوَى وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْقَضَاءِ وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ رُتْبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّسَالَةِ هُوَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَنْفِيذِهِ فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعَرُّفِهِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّسُولُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُبَلِّغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الرِّسَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُفْتِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَنْفِيذِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُهُ ذَلِكَ بِفَضْلِ قَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ فَذَلِكَ هُوَ الْقَاضِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْقَضَاءُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ تَنْفِيذُهُ بِفَصْلِ قَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ فَذَلِكَ هُوَ الْإِمَامُ وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْإِمَامَةُ
(فَائِدَةٌ) الرَّسُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْجَاهِلَ لِيُعْلِمَهُ بِخِلَافِ الْعَالِمِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَاهِلِ أَنْ يَطْلُبَ الْعَالِمَ لِيُعْلِمَهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ يُقَرِّرُهَا الرَّسُولُ عَلَى النَّاسِ فَلْيَبْحَثُوا بَعْدُ عَمَّنْ يُعْلِمُهُمْ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ الْإِجَابَةُ بَعْدَ الطَّلَبِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يُشَاهِدْ مُنْكَرًا مِنْ الْجَاهِلِ فَيَجِبْ حِينَئِذٍ الْمُبَادَرَةُ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّغْيِيرِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ أَفَادَهُ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ عَبْدُ السَّلَامِ عَلِيٌّ الْجَوْهَرِيُّ
(وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵊ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ الَّذِي هُوَ التَّنْفِيذُ لَا عَلَى وَجْهِ فَصْلِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَامِ وَالْإِمْضَاءِ كَبَعْثِ الْجُيُوشِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْخَوَارِجِ وَمَنْ تَعَيَّنَ قِتَالُهُ وَصَرْفِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فِي جِهَاتِهَا وَجَمْعِهَا مِنْ مَحَالِّهَا وَتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ الْعَامَّةِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَعَقْدُ الْعُهُودِ لِلْكُفَّارِ ذِمَّةً وَصُلْحًا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊ وَلِأَنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ دُونَ وَصْفِ التَّبْلِيغِ الَّذِي هُوَ التَّعْرِيفُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵊ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ التَّنْفِيذُ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَامِ وَالْإِمْضَاءِ كَفَصْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي دَعَاوَى الْأَمْوَالِ وَأَحْكَامِ الْأَبَدَانِ وَنَحْوِهَا بِالْبَيِّنَاتِ أَوْ الْأَيْمَانِ وَالنُّكُولَاتِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ

1 / 206