238

Al-qirāʾāt al-mutawātira wa-atharuhā fī al-rasm al-Qurʾānī wa-al-aḥkām al-sharʿiyya

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

Publisher

دار الفكر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م

Publisher Location

دمشق

ولا يمكن ذلك إلا باستعمالها في حالين على الوجه الذي بيّنّا، ولو استعملناها كما يقول المخالف لكان فيها إسقاط إحدى الغايتين لأنه يقول: إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى تغتسل» (١).
وهكذا فإن استدلال الحنفية ماض في إعمال القراءتين جميعا، على أساس أن الشطر الأول من الآية: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ أفاد معنى تامّا لا حاجة للمزيد عليه، وهو الجزم بانتفاء التحريم لدى انتهاء الحيض، على ما بيّناه.
ولكن كيف وجه الحنفية الإطناب الوارد في الشطر الثاني من الآية: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ؟
قال الرازي الجصاص: «هو إطلاق من حظر وإباحة، وليس هو على الوجوب، كقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ٦٢/ ١٠]، وقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٥/ ٢]، وهو إباحة وردت بعد حظر.
وقوله: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس:
يعني في الفرج، وهو الذي أمر بتجنّبه من قبل الطّهر دون الحيض. وقال ابن الحنفية: من قبل النكاح دون الفجور» (٢).
فجعل للشطر الآخر فائدة ثانية، ثم عطف بقوله: «قال أبو بكر: هذا كله مراد الله تعالى لأنه مما أمر الله به، فانتظمت الآية جميع ذلك» (٣).
وهكذا فإن الحنفية- كما اختار الجصاص- جعلوا سبيل إعمال القراءتين في أن تكون قراءة التخفيف تامة المعنى عند قوله سبحانه: يَطْهُرْنَ فقد أفادت حَتَّى معنى وافيا في جعل ما قبلها مغايرا لحكم ما بعدها، وكان ما بعدها منصرفا إلى الدلالة على المنع من إتيانهن في غير ما أذن به الله.

(١) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص ١/ ٣٥١.
(٢) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص ١/ ٣٥٠.
(٣) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص ١/ ٣٥١.

1 / 252