الصحابة فإنّهم- كما أوردنا في الخبر آنفًا- لم يعرفوا ما إذن البكر حتى سألوا رسول الله ﷺ عنه، وإلاّ فكان سؤالهم عند هؤلاء فضولًا. وحاش لهم من ذلك، فتنبّه هؤلاء لما لم يتنبّه له أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نبّه عنه ﵇ وهذا كما ترون، وما علمنا أحدًا من السلف روى عنه أنّ كلام البكر يكون رضى، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلى وغيرهما أنّ إذنها هو السكوت، ومن عجائب الدُّنيا قول مالك: إنَّ العانس البكر لا يكون إذنها إلاّ بالكلام، وهذا مع مخالفته لنصِّ كلام رسول الله ﷺ ففي غاية الفساد؛ لأنّه أوجب فرضًا على العانس ما أسقطه عن غيرها، فلوددنا أن يعرّفونا الحدّ الذي إذا بلغته المرأة انتقل فرضها إلى ما ذكر، وبالله التوفيق١٠ انتهى كلامه.
وما ذهب إليه ابن حزم- ﵀ في هذا مما يعاب على أهل الظاهر في تحميلهم ظواهر النصوص ما لا تحتمله، وليس في هذه الأحاديث النبويّة ونحوها أنّ السكوت فرض على البكر، به يصحُّ نكاحها وبدونه يبطل، بل ليس فيها إلاّ صحة اعتبار سكوت البكر رضى منها، وهو رخصة صان الله بها كرم حياء البكر، فأكرم الله بهذا السكوت ذلك الحياء الذي حبس لسانها عن رغبة تستحي من إبدائها بصريح قولها.
وأمَّا استفسار الصحابة عن كيفيَّة إذن البكر فحاش لله أن يكون لغوًا، لكنَّه لم يكن سؤالًا عن صحة إذنها لو أفصحت به بصريح عبارتها،
١ المحلى لابن حزم (٩/ ٤٧١) .