الله ﷺ: فإن موقف أبي عبيدة ﵁ أعجب من ذلك وأعظم فلقد قتل أباه في معركة بدر لأنه كان كافرًا محاربًا لله ورسوله، ولم تكن صلة الأبوة لتمنعه دون تنفيذ الولاء والنصرة لله ورسوله ودينه والمؤمنين. والبراءة والجهاد لعدو الله الذي رضي بالبقاء في حزب الشيطان ليكون حربًا على المؤمنين.
ومثال آخر: فقد روت كتب السير أن زيد بن الدثنة (١) ﵁، اشتراه صفوان بن أمية - بعد يوم الرجيع - ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وخرجوا بزيد إلى التنعيم حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟
قال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي فقال: أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتلوا زيدًا ﵁ (٢) .
فانظر إلى هذا الحب وهذا التفاني وذلك الولاء، وقوة النصرة! إنه ﵁ وهو في مكانه البعيد عن رسول الله -لا يرضى أن تمس رسول الله ﷺ شوكة، فضلًا عن أن يصيبه أكبر من ذلك!!
هذا هو الولاء الصادق الذي بنته هذه العقيدة في النفوس فأخرجت للناس هذه النماذج العظيمة التي تقصر دون عظمتها كل عظمة أرضية.
ومثال آخر: روى الإمام أحمد وغيره أن أنس بن النضر ﵁ غاب عن قتال بدر فقال: غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين؟ لئن الله أشهدني قتالًا للمشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال: أنا
(١) زيد بن الدثنة: بفتح الدال وكسر المثلثة ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري شهد بدرًا وأحدًا وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بـ التنعيم. انظر الإصابة (١/٥٦٥) .
(٢) انظر القصة في السيرة لابن هشام (٣/١٨١) .