قينقاع لما كان فيهم قلة (١).
وعلى ذلك فالخلاف في جواز الاستعانة بالكفار هل يكون عند الضرورة
أم عند الحاجة بشرط أن لا يكون لهم شوكة ومنعة، ولا يكونوا ذوي ضرر
على المسلمين، وأن يكونوا تحت قهر وحكم المسلمين.
والأمر في ذلك قريب فإن الأنظار تختلف في مقدار الحاجة من الضرورة.
ويتضح من خلال عرض ذلك الخلاف أن الفقهاء لم يختلفوا في دلالة حديث إرجاع المشرك على المنع من الاستعانة بالمشركين، وإنما عارضه القائلون بالجواز بحديث استعانة النبي ﷺ بصفوان بن أمية.
قال الكرابيسي (٢): "والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في
(١) ما روي أن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع لما كان فيهم - أي المسلمين - قلة: بحثت عنه في كثير من مصادر الحديث، ولم أجده إلا عند البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٧) كتاب السير، باب ماجاء في الاستعانة بالمشركين، وقد قال البيهقي: "وأما غزوه بيهود بني قينقاع فإني لم أجده إلا من حديث الحسن بن عمارة - وهو ضعيف - عن الحكم عن ابن عباس ﵁ قال: استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم .. ثم ساق بسنده عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: "من هؤلاء؟ "، قالوا: بنو قينقاع وهو رهط عبد الله بن سلام، قال: وأسلموا؟، قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين - قال البيهقي: "وهذا الإسناد أصح". والحاصل من كلام البيهقي أن ما ذكره هو كل ما ورد في هذا الشأن وأن استعانته بهم لم تثبت والأولى في الثبوت من جهة السند أنه ﷺ لم يستعن بهم.
(٢) هو: أسعد بن محمد بن الحسين أبو المظفر، جمال الإسلام الكرابيسي النيسابوري، فقيه حنفي، أديب، ولد سنة ٤٩٠ هـ تقريبًا، وسُمي الكرابيسي نسبة إلى بيع الكرابيس وهي الثياب، وتوفى سنة ٥٧٠ هـ، وله كتاب "الفروق"، وكتاب "الموجز" في الفقه. =