350

Al-Tafsīr Ibn al-Qayyim

التفسيرابن القيم

Editor

مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان

Publisher

دار ومكتبة الهلال

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٠ هـ

Publisher Location

بيروت

حِجابٌ
على أصح القولين. والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والأيمان به، وبيّنه قوله: ١٧: ٤٥ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا.
وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: ٤١: ٥ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فأخبر سبحانه أن ذلك جعله.
فالحب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه.
وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه.
ووصفه بكونه مستورا فقيل: بمعنى ساتر. وقيل: على النسب، أي في ستر والصحيح: أنه على بابه، أي مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت. والنسب في مفعول لم يشتق من فعله، كمكان محول أي ذي حول، ورجل مرطوب، أي ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل. كمضروب ومجروح ومستور.
[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢)
و«من» هاهنا لبيان الجنس، لا للتبعيض. فإن القرآن كله شفاء. كما قال في الآية الأخرى ١٠: ٥٧ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فهو شفاء للقلوب من داء الجهل، والشك والريب. فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أسرع في إزالة الداء من القرآن.

1 / 363