Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī
السنة ومكانتها للسباعي
Publisher
المكتب الإسلامي
Edition
الثالثة
Publication Year
١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)
Genres
•Hadith and its sciences
Regions
Syria
التِي فِيهَا تَخْوِيْفٌ وَوَعَيدٌ فَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الجَوْرِ الْعُلَمَاء أَوْ الجُهَّالِ الذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا المَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الوَعِيدُ» (١).
وبهذا يتبين لنا أن القضاء ليس كما أراد أن يصوره لنا جولدتسيهر مُسْقِطًا للعدالة، بل هو شرف عظيم، ولو لم يكن فيه إلا النيابة عن رسول الله ﷺ في الحُكْمِ بين الناس بما أنزل اللهُ لكفاه شرفًا وفضلًا. نَعَمْ، فَرَّ كَثِيرُونَ من العلماء من القضاء، وَتَحَمَّلَ بعضهم في سبيل ذلك بعض الأذى ولكنهم لم يفعلوا هذا لأنه مسقط للعدالة وداعية إلي الجرح، بل فعلوه بداعي الورع والزهد وتحرزهم من أن يلقوا الله وعليهم تبعات من أمور الناس، قال ابن العربي تعليلًا لامتناع بعض الصحابة عن تولي القضاء: «إِنَّ المَرْءَ فِيمَا يَعْمَلُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجَلٍ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُرُوطِهَا، وَعَلَىَ تَقِيَّةٍ مِنْ عَدَمِ القَبُولِ لَهَا مِمَّا دَخَلَ فِيهَا بِمَا لاَ يُحْصِيهِ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ مِنَ الطَّاعَةِ يَخْتَصُّ بِهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ، فَكَيْفَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبَادِ التِي نِيْطَتْ بِهِ وَأَلْزَمَتْ طَوْقَ عُنُقِهِ، فَالوَجَلُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَالتَّقِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ أَعْظَمَ».
وبعد فهذا بحث مستفيض حول الإمام الزُّهْرِيِّ ﵁، وما حاول أن يلصقه به المستشرق «جولدتسيهر» من تهم وأباطيل، إن صحت أذهبت الثقة بهذا الإمام وبحديثه ومروياته، وإذا ذهبت الثقة به فقد ذهبت الثقة بكُتُبِ السُنَّةِ كلها، لما ذكرناه لك من عظيم مقام الزُّهْرِيِّ فِي عِلْمِ السُنَّةِ، ولأنه أول مَنْ دَوَّنَهَا، ولكننا - بحمد الله - كشفنا الستار عن تلك الأباطيل، وَبَيَنَّا ما فيها من تَحَامُلٍ على هذا الإمام العظيم الذي كان كما قال شيخ الإسلام «ابن تيمية» خادم الإسلام سبعين سَنَةٍ.
إن إمامًا كالزُّهْرِي كان يقول: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ العِلْمِ، إِنَّ هَذَا العِلْمَ أَدَبُ اللهِ الذِي أَدَّبَ بِهِ نَبِيَّهُ ﵊، وَهُوَ أَمَانَةٌ اللهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيهِ عَلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلَهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ
(١) ١/ ٩ - ١٠ على هامش " فتح العلى المالك ".
1 / 225