216

Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī

السنة ومكانتها للسباعي

Publisher

المكتب الإسلامي

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)

ضاقت به امرأته ذرعًا، فقالت له ذات ليلة: «وَاللَّهِ لَهَذِهِ الْكُتُبُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ثَلاَثَ ضَرَائِرَ»، وكان من عادته أنه إذا سمع من بعض الشيوخ وعاد إلى بيته أيقظ جاريته وقال لها: «اسْمَعِي حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَحَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا الحَدِيثِ؟» فَيَقُولُ لَهَا: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ».
الثانية: حِفْظُهُ وَقُوَّةِ ذَاكِرَتِهِ، فقد كان آية عجبًا في ذلك، وَقَدْ سَمِعْتَ ابن أخيه من قبل، يُحَدِّثُ عنه أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، ويروي الليث عن الزُّهْرِي أنه قال: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي عِلْمًا فَنَسِيتُهُ»، وروى عنه عبد الرحمن بن إسحاق: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا قَطُّ، وَمَا شَكَكْتُ فِي حَدِيثٍ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».
ومن نوادره في الحفظ ما أخرجه مُؤَرِّخ الشَّامِ ابن عساكر في " تاريخه " بسنده إلى عبد العزيز بن عمران: أَنَّ عَبْدَ المَلِكَ كَتَبَ إِلَى أَهَل المَدِينَةِ يُعَاتِبُهُمْ فَوَصَلَ كِتَابُهُمْ فِي طُومَارَيْنِ (صَحِيفَتَيْنِ) فَقُرِئَ الكِتَابُ عَلَى النَّاسِ عَنْدَ المِنْبَرِ، فَلَمَا فَرَغُوا وَافْتَرَقَ النَّاسُ اجْتَمَعَ إِلَى سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ جُلَسَاؤُهُ، فَقَالَ لَهُمْ سَعِيدٌ: «مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ؟ لَيْت أَنَّا وَجَدْنَا مَنْ يَعْرِفُ لَنَا مَا فِيهِ؟» فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ جُلَسَائِهِ يَقُولُ: فِيهِ كَذَا، وَيَقُولُ الآخَرُ: فِيهِ كَذَا، قَالَ: فَكَأَنَّ سَعِيدًا لَمْ يَشْتَفِ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ بِخَبَرِهِمْ، فَبَانَ ذَلِكَ لابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: «أَتُحِبُّ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ تَسْمَعَ كُلَّ مَا فِيهِ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَرَأَهُ حَتَّى جَاءَ عَلَيْهِ كُلَّهُ كَأَنَّمَا كَانَ يَقْرَؤُهُ مِنْ كِتَابٍ بِيَدِهِ.
ولقد بلغ الزُّهْرِيُّ في الحفظ أنْ أراد هشام بن عبد الملك أنْ يمتحنه بنفسه، فسأله أنْ يُمْلِي على بعض ولده، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إنَّ هشامًا قال له بعد شهر أو نحوه: «يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ ضَاعَ»، فدعا بكاتب فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول فما غادر حرفًا.
ومما يطرف ذكره هنا ما يَرْوُونَهُ عن الزُّهْرِي، أنه كان يشرب العسل كثيرًا ويقول: «إِنَّهُ يُذَكِّرُ»، ويكره أكل التفاح الحامض والخل ويقول: «إِنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا يُنْسِي»، وَيَرْوُونَ عنه أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الحَدِيثَ، فَلْيَأْكُلِ الزَّبِيبَ ...»

1 / 209