Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
Publisher
مطبعة بولاق (الأميرية)
Edition
الأولى
Publisher Location
القاهرة
Genres
•linguistic exegesis
Regions
•Egypt
الحاجة ويقتضي التركيب والمجانسة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ خلقًا وملكًا، فلا يتصوّر أن يحتاج إلى شيء منهما، ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزأ منه وولدًا له؛ لأنّ المكية تنافي البنوة، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود ﴿وكفى با وكيلًا﴾ أي: يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء، فهو غني عن الولد، فإنّ الحاجة إليه ليكون وكيلًا لأبيه، والله ﷾ قائم بحفظ الأشياء كافٍ في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه.
روي أنّ وفد نجران قالوا: يا رسول الله لم تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى قال: «وأيّ شيء أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد الله قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبدًا لله» قالوا: بلى، فنزل قوله تعالى:
﴿لن يستنكف﴾» أي: يتكبر ويأنف ﴿المسيح﴾ أي: الذي زعمتم إنه إله ﴿أن﴾ أي: عن أن ﴿يكون عبد الله﴾ فإنّ عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى: ﴿ولا الملائكة المقرّبون﴾ أي: عند الله عطف على المسيح أي: ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله كما ردّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم، فلا حجة فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلًا بأنّ المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه.
قال الطيبي: وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما ردّ على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي اه. أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي، قال: لأن الملائكة أعجب خلقًا من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقًا من آدم ﵊ أيضًا أو في القوّة؛ لأنهم أقوى من عيسى؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرّة ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ أي: يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب: الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه ﴿فسيحشرهم﴾ أي: المستكبرين وغيرهم ﴿إليه جميعًا﴾ في الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم.
﴿فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تصديقًا لإقرارهم بالإيمان ﴿فيوفيهم أجورهم﴾ أي: ثواب أعمالهم ﴿ويزيدهم من فضله﴾ أي: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وأما الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادته ﴿فيعذبهم عذابًا أليمًا﴾ أي: مؤلمًا هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر ﴿ولا يجدون لهم﴾ أي: حالًا ولا مآلًا ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿وليًا﴾ يدفعه عنهم ﴿ولا نصيرًا﴾ يمنعهم منه.
﴿يأيها الناس﴾ أي: كافة أهل الكتاب وغيرهم ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ أي: حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله ﷺ بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها ﴿وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا﴾ أي: واضحًا في نفسه موضحًا لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن.
﴿فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فسيدخلهم﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿في رحمة
1 / 348