319

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

سراعًا﴾ (المعارج، ٤٣)
وقيل: لقيامهم إلى الحساب قال تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (المطففين، ٦)
﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: في ذلك اليوم أو في الجمع ﴿ومن أصدق من الله حديثًا﴾ أي: قولًا.
فإن قيل: الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال: هذا الصدق أصدق من هذا الصدق كما لا يقال: هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب: بأنّ الصدق صفة للقائل لا صفة للحديث أي: لا أحد غير الله أصدق منه؛ لأنّ غيره يتطرّق إلى خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائيّ بإشمام الصاد أي: بحرف متولد بين الصاد والزاي ﴿فما لكم﴾ أي: فما شأنكم صرتم ﴿في المنافقين﴾ أي: في أمرهم ﴿فئتين﴾ أي: فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد: هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، وقال قوم: في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام.
﴿وا أركسهم﴾ أي: نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردّهم إلى حكم الكفرة ﴿بما كسبوا﴾ من الكفر والمعاصي ﴿أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله﴾ أي: أتعدّونهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: ومن يضله الله ﴿فلن تجد له سبيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهدى.
﴿ودّوا﴾ أي: تمنوا ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون﴾ أنتم وهم ﴿سواء﴾ في الكفر.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿فتكونون﴾ لم يرد به جواب التمني؛ لأنّ جوابه بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي: ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله: ﴿ودّوا لو تدهن فيدهنون﴾ (القلم، ٩)
أي: ودّوا لو تدهن وودّوا لو يدهنون ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء﴾ أي: فلا توالوهم وإن أظهروا الإيمان ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ معكم هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله﴾ (النساء، ١٠٠)
ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله ﷺ صابرًا محتسبًا لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال رسول الله ﷺ «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ أي: في حلّ أو في حرم كسائر الكفرة ﴿ولا تتخذوا منهم وليًا﴾ توالونه ﴿ولا نصيرًا﴾ تنتصرون به على عدوّكم أي: بل جانبوهم مجانبة كلية، وقوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون﴾ استثناء من قوله: ﴿فخذوهم واقتلوهم﴾ أي: إلا الذين يصلون أي: ينتهون ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبيّ ﷺ وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى:

1 / 321