286

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

أي: ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. وقرأ نافع وابن عامر (ندخله جنات) و(ندخله نارًا) بالنون فيهما على الالتفات، والباقون بالياء.
﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ أي: الزنا ﴿من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم﴾ أي: من رجال المسلمين، وهذا خطاب للحكام أي: فاطلبوا عليهنّ أربعة من الشهود، وفيه بيان أنّ الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود ﴿فإن شهدوا﴾ عليهنّ بها ﴿فأمسكوهنّ﴾ أي: احبسوهنّ ﴿في البيوت﴾ واجعلوها سجنًا لهنّ وامنعوهنّ عن مخالطة الناس، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضمّ الباء والباقون بكسرها ﴿حتى يتوفاهنّ الموت﴾ أي: ملائكته ﴿أو﴾ إلى أن ﴿يجعل الله لهنّ سبيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الخروج منها أمروا بذلك أوّل الإسلام، ثم جعل لهنّ سبيلًا بجلد البكر مئة وتغريبها عامًا ورجم المحصنة، وفي الحديث، لما بين الحدّ قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلًا» . رواه مسلم ﴿واللذان﴾ أي: الزاني والزانية، وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف ﴿يأتيانها﴾ أي: فاحشة الزنا ﴿منكم﴾ أي: الرجال ﴿فآذوهما﴾ بالسب والضرب بالنعال ﴿فإن تابا﴾ أي: منها ﴿وأصلحا﴾ أي: العمل ﴿فأعرضوا عنهما﴾ ولا تؤذوهما ﴿إنّ الله كان توّابًا﴾ على من تاب ﴿رحيمًا﴾ به، وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحدّ.
روى ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال: إنّ ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فردّ عليك» وجلد ابنه مئة وغرّبه عامًا. أي: لأنه كان غير محصن وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها.
وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إنّ الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ورعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أنّ الزاني إذا كان محصنًا وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرّية والإصابة بالنكاح الصحيح، فحدّه الرجم مسلمًا كان أو ذميًّا، وعند أبي حنيفة أنّ الإسلام من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذميّ، ويردّه ما صح عن رسول الله ﷺ «أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا» وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو مجنونًا فلا حد عليه وإن كان حرًّا عاقلًا بالغًا غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مئة وتغريب عام وإن كان رقيقًا فعليه جلد خمسين وتغريب نصف عام. ومثل الزنا

1 / 288