261

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدّموا - أي: الأسارى - فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عددهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل نأخذ منهم فداهم فنتقوّى به على قتال أعدائنا ويستشهد منا عدّتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر» وهذا معنى قوله: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ أي: بأخذكم الفداء واختياركم للقتل ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ فيقدر على النصر وعلى منعه وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى.
﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان﴾ أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة ﴿فبإذن الله﴾ أي: فهو كائن بقضائه وإرادته ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم ﴿وليعلم المؤمنين﴾ وقد تقدّم أنّ معنى وليعلم الله كذا أي: يميز أو يظهر للناس ما كان في علمه.
﴿وليعلم الذين نافقوا﴾ قال الواحدي: يقال نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الإيمان وأضمر خلافها. قال أبو عبيدة: مشتق من نافقاء اليربوع؛ لأنّ جحر اليربوع له بابان القاصعاء والنافقاء فإن طلب من أيهما كان يخرج من الآخر فقيل للمنافق: إنه منافق وهم اسم إسلامي؛ لأنه صنع لنفسه طريقين إظهار الإسلام وإضمار الكفر فمن أيهما طلب خرج من الآخر وقوله تعالى: ﴿وقيل لهم﴾ عطف على نافقوا أي: وليعلم الذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال وقالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل فرجعوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ ﴿تعالوا قاتلوا في سبيل الله﴾ الكفار ﴿أو ادفعوا﴾ عنا أي: إن كان في قلبكم حب الإيمان فقاتلوا للدين، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعًا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم، وقال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدوّ بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا؛ لأنّ الكثرة أحد أسباب الهيبة.
روي عن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوّهم قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال: لقوله تعالى: ﴿أو ادفعوا﴾ أراد أكثروا سوادهم واختلفوا في القائل فقال الأصم: إنه الرسول ﷺ كان يدعوهم إلى القتال وقيل: أبو جابر الأنصاري قال لهم: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدوّ ﴿قالوا لو نعلم﴾ أي: نحسن ﴿قتالًا لاتبعناكم﴾ فيه قال تعالى تكذيبًا لهم: ﴿هم للكفر يومئذٍ﴾ أي: يوم إذ قالوا لو نعلم قتالًا لاتبعناكم ﴿أقرب منهم للإيمان﴾ أي: لانقطاعهم وارتدادهم وكلامهم، فإنّ ذلك أوّل إمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل: المعنى على حذف مضاف أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان بما أظهروه من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر.
تنبيه: فضلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يجز تقول زيد قاعدًا أفضل منه قائمًا أو زيد قاعدًا اليوم أفضل منه قاعدًا غدًا ولو قلت: زيد اليوم قاعدًا أفضل منه اليوم قاعدًا لم يجز ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ أي: يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإيمان فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر.
تنبيه:

1 / 263