259

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

من الله شيئًا قد بلغتك» قال المحققون: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك المغلول ازدادت فضيحته. وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: انزل إليه فخذه فينزل إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه فيخرجه ففعل ذلك به. وعن أبي هريرة: قتل لرسول الله ﷺ عبد فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ «كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارًا» فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «شراك من النار أو شراكان من نار» وقال أبو مسلم: ليس المقصود من الآية ظاهرها بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل كقوله تعالى: ﴿إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله﴾ (لقمان، ١٦)
فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أنّ الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد والمعنى أنّ الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرّره عليه يوم القيامة ويجازيه به؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبيّ ﷺ على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمّه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ منها أحد شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو» ثم رفع يديه حتى رؤيت عفرة إبطه ثم قال: «اللهمّ هل بلغت اللهمّ هل بلغت» ﴿ثم توفى كل نفس﴾ أي: تعطى جزاء ﴿ما كسبت﴾ أي: عملت وافيًا الغال وغيره.
فإن قيل: هلا قيل: ثم يوفى أي: الغال ما كسب؟ أجيب: بأنه عم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزيًا بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى ﴿وهم لا يظلمون﴾ شيئًا فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى:
﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف والتقدير أفمن اتقى فاتبع رضوان الله ﴿كمن باء﴾ أي: رجع ﴿بسخط من الله﴾ بسبب المعاصي ﴿ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ أي: المرجع هي أي: ليس مثله واختلف في المراد من هذه الآية، فقال الكلبي والضحاك: فمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وقال الزجاج: لما حل المشركون على المسلمين دعا النبيّ ﷺ أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ففعله بعضهم وتركه آخرون فقوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ هم الذين امتثلوا أمره كمن باء بسخط من الله هم الذين لم يقبلوا قوله.
وقيل: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ بالإيمان به والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والإشتغال بمعصيته، قال القاضي: وكل واحد من هذه الوجوه صحيح ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه؛ لأنّ اللفظ عام فيجب أن يتناول الكل وإن كانت الآية نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل

1 / 261