222

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

اعترف بأني الغالب وسلم لي الغلبة.
قال البيضاوي: تنبيه: انظر ما راعى أي: الله ﷾ في هذه القصة من المبالغة والإرشاد وحسن التدرج في الحجاج أولًا لأحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح أي: يزيل شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الإنقياد عاد إليهم بالإرشاد وسلك طريقًا أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم لما لم يجد أي: ينفع ذلك أيضًا عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك، وقال: اشهدوا بأنا مسلمون.
﴿يا أهل الكتاب﴾ وقد مرّ أنه يعم أهل الكتابين اليهود والنصارى ﴿لم تحاجون﴾ أي: تخاصمون ﴿في إبراهيم﴾ بزعمكم أنه على دينكم ﴿وما أنزلت التوراة﴾ على موسى ﴿والإنجيل﴾ على عيسى ﴿إلا من بعده﴾ أي: بزمن طويل إذ كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية ﴿أفلا تعقلون﴾ بطلان قولكم حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال.
﴿ها أنتم﴾ يا ﴿هؤلاء﴾ ها للتنبيه وأنتم مبتدأ خبره ﴿حاججتم﴾ أي: جادلتم ﴿فيما لكم به علم﴾ من أمر موسى وعيسى وزعمتم أنكم على دينهما ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ من شأن إبراهيم وليس له ذكر في كتابكم ﴿وا يعلم﴾ ما حاججتم فيه ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي: جاهلون به، ثم قال تعالى تبرئة لإبراهيم:
﴿ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا﴾ أي: مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيّم ﴿مسلمًا﴾ أي: موحدًا منقادًا لله تعالى وليس المراد أنه كان على دين الإسلام وإلا لاشترك الإلزام؛ لأنهم يقولون: ملة الإسلام حدثت بعد نزول القرآن على محمد ﷺ وكان إبراهيم قبله بمدّة طويلة فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن، فعلم أن المراد يكون إبراهيم مسلمًا أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة ﴿وما كان من المشركين﴾ كما لم يكن منكم أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم عزيرًا والمسيح.
﴿إنّ أولى الناس﴾ أي: أحقهم ﴿بإبراهيم﴾ من أمّته ﴿للذين اتبعوه﴾ من أمّته ﴿وهذا النبيّ والذين آمنوا وا وليّ المؤمنين﴾ أي: ناصرهم وحافظهم ولما دعا اليهود معاذًا وحذيفة وعمارًا إلى دينهم نزل.
﴿ودّت﴾ أي: تمنت ﴿طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم﴾ عن دينكم ويردّونكم إلى الكفر ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ أي: أمثالهم أو إن أثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه ﴿وما يشعرون﴾ بذلك.
﴿يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوّة محمد ﷺ ﴿وأنتم تشهدون﴾ أنها آيات الله ﷿ أو بالقرآن العزيز وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق.
﴿يأهل الكتاب لم تلبسون الحق﴾ أي: القرآن المشتمل على نعت محمد ﷺ ﴿بالباطل﴾ أي: بالتحريف والتزوير ﴿وتكتمون الحق﴾ أي: نعت محمد ﷺ ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه حق.
﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ أي: اليهود قالوا لجماعة منهم ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ أي: القرآن أي: أظهروا الإيمان به ﴿وجه النهار﴾ أي: أوّله وإنما سمي أوّله وجهًا لأنه أحسنه ولأنه أوّل ما يرى

1 / 224