Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
Publisher
مطبعة بولاق (الأميرية)
Edition
الأولى
Publisher Location
القاهرة
Genres
•linguistic exegesis
Regions
•Egypt
بالتوحيد أنه الحق الذي لا محيد عنه ﴿بغيًا﴾ أي: ما كان الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسدًا ﴿بينهم﴾ وطلبًا للرياسة. وقيل: هو اختلاف في نبوّة محمد ﷺ من بعد ما جاءهم العلم ببيان بعثته في كتبهم حيث آمن به بعض وكفر به بعض وقيل: هو إختلافهم في الإيمان بالأنبياء فمنهم من آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى ولم يؤمن ببقية الأنبياء وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ أي: المجازاة له وعيد لمن كفر منهم.
﴿فإن حاجوك﴾ أي: جادلك الذين كفروا يا محمد في الدين ﴿فقل﴾ لهم ﴿أسلمت وجهي﴾ أي: أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيهما لغيره شركًا بأن أعبده ولا أدعو إلهًا معه يعني: أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبت عندكم صحته كما ثبت عندي، وما جئت بشيء مبتدع حتى تجادلوني فيه وخص الوجه بالذكر لشرفه فهو تعبير عن جملة الشخص بأشرف أجزائه الظاهرة وقوله تعالى: ﴿ومن اتبعن﴾ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ويجوز كما قال في «الكشاف» أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولًا معه أي: نظرًا إلى أن المشاركة بين المتعاطفين في مطلق الإسلام أي: الإخلاص لا فيه بقيد وجهه حتى يمتنع ذلك لاختلاف وجهيهما ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿والأمّيين﴾ أي: الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب ﴿أأسلمتم﴾ أي: فهل أسلمتم ما أسلمت أنا فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة، أم أنتم بعد على الكفر وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقًا إلا سلكته هل فهمتها؟ وفي هذا الإستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا انجلت له الحجة لم يتوقف إذعانًا للحق وكذلك في هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة. وقيل: المراد بالإستفهام هنا الأمر أي: أسلموا كما قال تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة، ٩١) أي: انتهوا ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾ أي: نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا فقال لليهود: «أتشهدون أنّ عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله. وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدًا» فقال ﷿ ﴿وإن تولوا﴾ أي: عن الإسلام لم يضرّوك ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ أي: فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى وقد
بلغت وليس إليك الهداية ﴿وا بصير بالعباد﴾ أي: عالم بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن فيجازي كلًا منهم بعمله، وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط﴾ أي: بالعدل ﴿من الناس﴾ وهم اليهود قتل أوّلهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم، ومن في عصره ﷺ كفروا به وقصدوا قتله ﷺ والمؤمنين لكن الله تعالى عصمهم.
وعن أبي عبيدة بن الجرّاح قلت: «يا رسول الله أي الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟ قال رجل قتل نبيًا أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عنه» . وروي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم وخبر إن ﴿فبشرهم﴾ أي: أعلمهم ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم.
فإن قيل: لم أدخل الفاء في خبر إن مع أنه
1 / 204