173

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

أخرى.
فإن قيل: بم تعلقت اللام في ليطمئن؟ أجيب: بأنها تعلقت بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب.
وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيى ولكنه طلبها تلويحًا، فأجيب بالمنع منها تلويحًا، وموسى ﵊ لما سألها تصريحا أجيب بالمنع تصريحًا.
قال تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ قال مجاهد وابن جرير: أخذ طاوسًا وديكًا وحمامة وغرابًا، وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبهًا، كتدوير الرأس والمشي على رجلين، وأجمع لخواص الحيوان لأنّ فيها ما يتكلم، وما يهتدي للطريق كالقطاة، وللمياه كالهدهد، وفي هذا إيماء إلى أنّ إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف، التي هي صفة الطاوس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس، وبعد الأمل المتصف بهما الغراب والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة. وروي بدلها البطة وبدل الغراب الغرنوق.
﴿فصرهنّ﴾ أي: فأمسكهن واضممهنّ ﴿إليك﴾ قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها.
فإن قيل: ما معنى أمره بضم الطير إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ أجيب: بأنه ليتأمّلها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها، لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك، ولذلك قال: ﴿يأتينك سعيًا﴾ . وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال كما قال تعالى:
﴿ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ جزأ﴾ واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة: أمره الله تعالى أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل، على كل جبل جزء من كل طائر، وقال السديّ وابن جريج: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل، وأمسك رؤوسهنّ ثم دعاهنّ: تعالين بإذن الله، فجعل كل قطرة من دم طائر تصير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر، وإبراهيم ينظر حتى صارت جثثًا بغير رؤوس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعيًا فالتقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: ﴿ثم أدعهنّ يأتينّك سعيًا﴾ أي: سريعًا، وقيل: مشيًا لأنها لو طارت لربما توهم متوهم أنها غير تلك الطير، وإنّ أرجلها غير سليمة قال البيضاويّ: وفي ذلك إشارة إلى أنّ من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية فعليه أن يقبل على القوى البدنية كالشهوة والغضب فيقتلها، ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها فتطاوعنه مسرعات متى دعاهنّ بداعية العقل أو الشرع، وكفى لك شاهدًا على فضل إبراهيم ويمنه أي: بركته حيث سلك مسلك الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، أنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عزيرًا بعد أن أماته مائة عام ﴿واعلم أنّ الله عزيز﴾ لا يعجز عما يريد ﴿حكيم﴾ ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله.
﴿مثل الذين ينفقون﴾ أي: يبذلون ﴿أموالهم﴾ بطيب النفس ﴿في سبيل الله﴾ الذي له الكمال كله أي: في طاعته كمثل زراع ومثل ما ينفقون ﴿كمثل حبة﴾ مما زرعه فلا بدّ من حذف كما تقرّر أو يقال مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة ﴿أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ والمنبت هو الله ﷾، ولكن الحبة لما كانت سببًا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم

1 / 175