171

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

ويعقل فاستوى جالسًا فقال له الملك: كم لبثت؟ ﴿قال لبثت يومًا﴾ وذلك أنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال: لبثت يومًا وهو يرى أنّ الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ أي: بل بعض يوم ﴿قال﴾ أي: الله أو الملك له ﴿بل لبثت مائة عام﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت، وفي قال: لبثت وفي بل لبثت، والباقون بالإدغام.
ثم قال له الله أو الملك ﴿فانظر إلى طعامك﴾ وكان تينًا أو عنبًا ﴿وشرابك﴾ وكان عصيرًا أو لبنًا ﴿لم يتسنه﴾ أي: لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته قال الكسائيّ أي: كأنه لم يأت عليه السنون، وإنما أفرد الضمير لأنّ الطعام والشراب كالجنس الواحد.
فإن قيل: إذا كان المارّ كافرًا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ أجاب الزمخشريّ بأنّ الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافرًا وقال أبو حيان: لا نص في الآية، إنّ الله كلمه شفاهًا، وقرأ حمزة والكسائيّ لم يتسنّ بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع.
﴿وانظر إلى حمارك﴾ كيف هو فرآه ميتًا وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه، وقيل: رآه حيًا مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف، كما حفظ الطعام والشراب من التغير.
وقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية وقيل: الواو زائدة مقحمة أي: لنجعلك عبرة ودلالة على البعث بعد الموت ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالراء ومعناه نحييها، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردّها إلى أماكنها من الجسد.
وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها: وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية للناس، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون: إنه أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتًا قال السديّ: إن الله أحيا عزيرًا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحًا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل، الذي ذهبت به الطيور والسباع، فاجتمعت فركب بعضها في بعض، وهو ينظر فصار حمارًا من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام لحمًا ودمًا كما قال تعالى: ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾ فصار حمارًا لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى، وقال الأقلّون: أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائمًا واقفًا كهيئته يوم ربطه، وهذا يؤيد كون حماره كان حيًا وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة: وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها.
روي أن عزيرًا لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عزير عنهم وهي بنت عشرين سنة فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت، وقالت: ما رأيت أحدًا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرًا فقال: فإني أنا عزير فقالت: سبحان الله فإن عزيرًا فقدناه من مائة سنة، لم نسمع له بذكر، قال: إنّ الله أماتني مائة سنة ثم

1 / 173