Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
Publisher
مطبعة بولاق (الأميرية)
Edition
الأولى
Publisher Location
القاهرة
Genres
•linguistic exegesis
Regions
•Egypt
أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت وقيل: عام منسوخ، فكان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت الآية منسوخة بآية السيف، قاله ابن مسعود: ﴿قد تبين الرشد من الغيّ﴾ أي: ظهر بالآيات البينات أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، وأنّ الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان، طلبًا للفوز بالسعادة والنجاة، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ أي: فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام ﴿ويؤمن با﴾ أي: بالتوحيد وتصديق الرسل ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين ﴿لا انفصام﴾ أي: لا انقطاع ﴿لها﴾ .
قال التفتازاني: شبه التديّن بالدين الحق، والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها، ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشريّ: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به اه.
والوثقى تأنيث الأوثق، وقيل: العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا الله تعالى ﴿وا سميع﴾ لما يقال: ﴿عليم﴾ بالنيات والأفعال وقيل: سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم.
أي: ناصر ومعين ﴿الذين آمنوا﴾ أي: أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى: ﴿يخرجهم﴾ أي: بلطفه وتأييده ﴿من الظلمات﴾ أي: الكفر ﴿إلى النور﴾ أي: الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. وعن ابن عباس: أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد ﷺ
﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ أي: الشيطان وقال مقاتل: هو كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة ﴿يخرجونهم﴾ أي: يدعونهم ﴿من النور﴾ الذي منحوه بالفطرة ﴿إلى الظلمات﴾ أي: الكفر.
فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط، أجيب: بأنّ الطبرانيّ روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد ﷺ كفروا به»، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من الظلمات، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن يوسف ﵊: ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با﴾ (يوسف، ٣٨) ولم يكن قط في ملتهم وقيل: نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به، والطاغوت يكون مذكرًا ومؤنثًا وواحدًا وجمعًا، قال تعالى في المذكر: والواحد ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾، (النساء، ٦٠) وقال تعالى في المؤنث ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾ (الزمر، ١٧) وقال في الجمع: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ (البقرة، ٢٥٧) .
وقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ وعيد وتحذير. قال البيضاويّ: ولعلّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم.
ولما كان النمروذ المحاجج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ذكره عقب ذلك فقال: ﴿ألم تر﴾ أي: تعلم بما نخبرك به علمًا هو عندك كالمشاهدة لمالك من كمال البصيرة، وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة
1 / 170