164

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

التابوت، وانهزام الجبابرة على يد صبيّ وهو داود، وقتل داود جالوت ﴿آيات الله﴾ الذي جلّت عظمته وتمت قدرته وقوّته ﴿نتلوها﴾ أي: نقصها ﴿عليك﴾ يا محمد ﴿بالحق﴾ أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنهم يجدونه في كتبهم كذلك وأرباب التواريخ ﴿وإنك﴾ أي: والحال إنك ﴿لمن المرسلين﴾ بما دلّت هذه الآية عليه من علّمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر، ولما تقدّم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه ﷺ منهم تشوّفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علوّ مقادير الكل في قوله:
﴿تلك الرسل﴾ بأداة البعد إعلامًا ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يطال.
تنبيه: تلك مبتدأ والرسل صفة أي: الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله ﷺ أو جماعة الرسل واللام للاستغراق، والخبر ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، لما أوجب ذلك من تفضيلهم في الحسنات بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة، ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل، وأكثر ذلك في أتباع موسى ﵊ ذكر وصفه مع وصف نبينا محمد ﷺ فقال: ﴿منهم من كلم الله﴾ بلا واسطة وهو موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كلّم موسى ليلة الحيرة وهي بفتح الحاء، تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر وفي الطور، ومحمدًا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبين التكليمين بون عظيم، ومنهم أيضًا آدم كما ورد في الحديث.
﴿ورفع بعضهم﴾ وهو محمد ﷺ ﴿درجات﴾ على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة به، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وينسخ جميع الشرائع، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم، وبالمعجزات المتكاثرة المستمرّة، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن الإتيان بسورة من مثله، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الغالبة للحصر، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلًا منيفًا على سائر ما أوتي الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع بمفارقته، وتسليم الحجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وروي عنه ﷺ أنه قال: «ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» .
وروي عنه أنه قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامّة» .
وروي عنه أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» .
﴿وأتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ من إحياء الموتى وغيره ﴿وأيدناه﴾ أي: قويناه ﴿بروح القدس﴾ وهو جبريل

1 / 166