151

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

فإن قيل: لِمَ قال تعالى: ﴿المولود له﴾ دون الوالد؟ أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأنّ الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمّهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد:
*فإنما أمّهات الناس أرعية ... مستودعات وللآباء أبناء*
فكان عليهم أن يرزقوهنّ ويكسوهنّ إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى: ﴿واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾ (لقمان، ٣٣) وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ أي: طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ﴿لا تضارّ والدة بولدها﴾ أي: بسببه، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها ﴿ولا﴾ يضار ﴿مولود له بولده﴾ أي: بسببه، بأن يكلف فوق طاقته، وإضافة الولد إلى كلّ منهما للاستعطاف، وللتنبيه على أنّ الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تضار بضمّ الراء بدل من قوله: لا تكلف والباقون بفتحها ﴿وعلى الوارث﴾ أي: وارث الأب، وهو الولد أي: على الوليّ في مال الولد ﴿مثل ذلك﴾ أي: الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة، وقيل: هو وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه، وقيل: الباقي من الأبوين أخذا من قوله ﷺ «اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث - أي: الباقي - منا» والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدّة الحياة كأنه باق بعد الموت ﴿فإن أرادا﴾ أي: الوالدان ﴿فصالًا﴾ أي: فطامًا له صادر ﴿عن تراض﴾ أي: اتفاق ﴿منهما وتشاور﴾ بينهما فتظهر مصلحة الولد فيه ﴿فلا جناح عليهما﴾ في ذلك، زاد على الحولين أو نقص، وهذه توسعة بعد التحديد، وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الولد، حذرًا أن يقدم أحدهما على ما يضرّ به لغرض أو غيره ﴿وإن أردتم﴾ خطاب للأولياء ﴿أن تسترضعوا﴾ مراضع غير الوالدات ﴿أولادكم﴾ يقال:
أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، فحذف المفعول الأوّل للاستغناء عنه كما يقال: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته وكذلك حكم كل مفعولين يكون أحدهما عبارة عن الأوّل، هذا ما جرى عليه الزمخشريّ، من أن استرضع يتعدّى لمفعولين بنفسه، والجمهور على أنه إنما يتعدّى إلى
الثاني بحرف الجرّ، وتقديره هنا لأولادكم ﴿فلا جناح عليكم﴾ في ذلك ﴿إذا سلمتم﴾ إليهن ﴿ما آتيتم﴾ أي: أردتم إيتاءه لهن من الأجرة، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (المائدة، ٦) وإنما قدّر ذلك؛ لأنّ ما تحقق إيتاؤه لا يتصوّر تسليمه في المستقبل، وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ صلة سلمتم أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعًا، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل. وقرأ ابن كثير بقصر همزة أتيتم، من أتى إليه إحسانًا إذا فعله ومنه قوله تعالى: ﴿إنه كان وعده مأتيًا﴾ (مريم، ٦١) أي: مفعولًا والباقون بالمد وهم على مراتبهم، وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع ثم حثهم على ذلك وهدّدهم بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنّ الله بما تعملون بصير﴾ لا يخفى عليه شيء منه.
﴿
والذين يُتوفَّون﴾ أي: يموتون ﴿منكم ويذرون﴾ أي: يتركون ﴿أزواجًا يتربصن﴾

1 / 152