148

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا، فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة فقل لها فلتردّها عليّ وأخلي سبيلها، فقال لها: «تردّين عليه حديقته وتملكين أمرك؟» قالت: نعم فقال رسول الله ﷺ «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها» ففعل.
وفي رواية: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» .
﴿إلا أن يخافا﴾ أي: الزوجان ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ أي: لا يأتيا بما حدّه لهما من الحقوق، وقرأ حمزة يخافا بضمّ الياء بالبناء للمفعول، فإن مع صلتها بدل اشتمال من الضمير في يخافا والباقون بفتحها بالبناء للفاعل ﴿فإن خفتم﴾ أيها الأئمة والحكام ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ أي: ما حدّه من الأحكام ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ نفسها من المال ليطلقها أي: لا حرج على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في بذله، وهذا هو الأصل، وإلا فيجاز على عوض وإن لم يخافا.
تنبيه: علم مما تقرّر: أنّ الخطاب في الأوّل للزوجين، وثانيها للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا﴾ لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون.
﴿تلك﴾ أي: الأحكام المذكورة ﴿حدود الله﴾ وهي ما منع الشرع من المجاوزة عنه ﴿فلا تعتدوها﴾ أي: فلا تتعدّوها بالمخالفة وقوله تعالى: ﴿ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد.
تنبيه: ظاهر الآية يدلّ على أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلًا عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ كما رواه البيهقيّ: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير بأس - أي: ضرر فحرام عليها رائحة الجنة» . وما روي أنه ﷺ قال لجميلة: «أتردّين عليه حديقته؟ فقالت: أردّها وأزيد عليها، فقال ﵊: أمّا الزائد فلا» فالجمهور استكرهوا الخلع، ولكن نفذوه فإنّ المنع عن العقد لا يدل على فساده وإنه يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء.
﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثنتين ﴿فلا تحل له من بعد﴾ أي: بعد الطلقة الثالثة ﴿حتى تنكح﴾ أي: تتزوّج ﴿زوجًا غيره﴾ أي: المطلق والنكاح يتناول العقد والوطء، وتعلق بظاهر الآية من اقتصر على العقد كابن المسيب، والجمهور على أنه لا بدّ من الإصابة، لما روى الشيخان «أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله ﷺ إنّ رفاعة طلقني وإنّ عبد الرحمن بن الزَّبِير - أي: بفتح الزاي وكسر الباء - تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة، ويكون العقد مستفادًا من لفظ الزوج، والعسيلة مجاز عن قليل الجماع، إذ يكفي قليل انتشار، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ولحقتها الهاء؛ لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري.
وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنّ زوجي قد مسني فقال لها النبيّ ﷺ «كذبت في قولك الأوّل فلن أصدقك في الآخر» فلبثت حتى قبض رسول الله ﷺ فأتت أبا بكر فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأوّل

1 / 149