300

Al-Sīra al-Ḥalabiyya Insān al-ʿUyūn fī Sīrat al-Amīn al-Maʾmūn

السيرة الحلبية إنسان العيون في سيرة الأمين المامون

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الثانية

Publication Year

1427 AH

Publisher Location

بيروت

أي وفي البخاري أنه ﷺ قال: «إن الملائكة تتحدث في العنان- أي الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن، فيزيدونها مائة كذبة» .
وعن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى ﵊ حتى تنبأ رسول الله ﷺ رمى بها، فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد يا ليل» الحديث.
أقول: وهذا يفيد أنه لم يرم بها قبل مبعثه ﷺ: أي قبل قربه الشامل لزمن الولادة، فلا يخالف ما تقدم، وأن النجوم كان يرمى بها قبل أن يرفع عيسى ﵊ وذلك صادق بزمن آدم فمن بعده من الرسل، وهو الموافق لقول الزهري: الحجب وتساقط النجوم كان موجودا قبل البعث في سالف الأزمان: أي في زمن الرسل لا في زمن الفترات بين الرسل، لقول الكشاف: وقول بعضهم: ظاهر الأخبار يدل على أن الرجم للشياطين بالشهب كان في زمن غيره ﷺ من الرسل وهو كذلك، وعليه أكثر المفسرين- حراسة لما ينزل من الوحي على الرسل. وأما في الزمن الذي ليس فيه رسول: أي وهو زمن الفترات بين الرسل، فكانوا يسترقون السمع في مقاعد لهم، ويلقون ما يسمعون للكهان: أي لأن الله تعالى ذكر فائدتين في خلق النجوم، فقال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ [الملك: الآية ٥] وقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) [الصافات: ٦ و٧] وكونها إنما جعلت رجوما وحفظا ليس إلا عند قرب مبعثه ﷺ، خاصة دون بقية الرسل من أبعد البعيد.
وحيث كان الغرض من الرمي بالنجوم منع الشياطين من استراق السمع اقتضى ذلك أنه لم يرم بها قبل مبعثه ﷺ، ومنه زمن ولادته.
ويوافق ذلك قول ابن إسحق: لما تقارب أمر رسول الله ﷺ وحضر مبعثه حجبت الشياطين، وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين من خبر السماء، رموا بالشهب فذكروا ذلك لإبليس، فقال: بعث أي لعله بعث نبي، عليكم بالأرض المقدسة أي لأنها محل الأنبياء، وهذا يدل على أن عند إبليس أن الرمي بالنجوم علامة على بعث الأنبياء، فذهبوا ثم رجعوا، فقالوا ليس بها أحد، فخرج إبليس يطلبه بمكة: أي لأنها مظنة ذلك بعد محل الأنبياء، فإذا رسول الله ﷺ بحراء منحدرا معه جبريل، فرجع إلى أصحابه، فقال: بعث أحمد ومعه جبريل» . وفي رواية «إن إبليس قال لما أخبروه بأنهم منعوا من خبر السماء: إن هذا الحدث حدث في الأرض، فائتوني من تربة كل أرض فأتوه بذلك، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا الحدث، فمضوا

1 / 302