Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
حرية اختيار الأنصار لنقبائهم في بيعة العقبة الثانية
هناك بعض الأمور الإدارية في تنظيم العلاقة بين الرسول ﷺ وبين الأنصار.
أولًا: سيتعامل الرسول ﷺ مع مَن مِن الأنصار؟ لابد من وجود من يمثل الأنصار.
ثانيًا: كيف يكون التعامل بين المهاجرين والأنصار، لو حصلت مشكلة من الأنصار لمن المرجع؟ ولو حصلت مشكلة من المهاجرين لمن المرجع؟ أمور إدارية هامة رأى الرسول ﷺ أنه لابد أن يكون هناك من يمثل الأنصار، فجعل لكل خمسة من الأنصار نقيبًا، فيكون كل ستة مجموعة، ولما كان الأنصار (٧٣) خرج منهم (١٢) نقيبًا.
أيضًا كان من الممكن أن الرسول ﷺ ينتقيهم بنفسه، أو أن يأخذ أصحاب بيعة العقبة الأولى؛ لأنهم كانوا اثني عشر، أو أن يكل ذلك إلى مصعب بن عمير، أو إلى البراء بن معرور رئيس الوفد، أو أسعد بن زرارة لأنه أحد السابقين، لكن الرسول ﷺ أقر قاعدة عظيمة من قواعد الحكم في الإسلام، وهي قاعدة أن على الشعب أن ينتخب ممثليه انتخابًا حقيقيًا، ليس فيه تدخل من القائد الأعلى، قال الرسول ﷺ للأنصار: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومكم بما فيهم).
حرية كاملة للأنصار في اختيار ممثليهم، هم أدرى بحالهم، وعندما يختار الشعب حكومته بحرية حقيقية ليس فيها أي تدخل من أي جهة، يسمع لها بعد ذلك بمنتهى الحب، ويطيعها بمنتهى الأمانة، يحس فعلًا أنها حكومته وليست مفروضة عليه، هذا ما كان يريد أن يزرعه الرسول ﷺ بداخل الأنصار، وداخل الأمة الإسلامية بكاملها إلى يوم القيامة.
جلس الأوس والخزرج سوية لأول مرة في تاريخهم لاختيار نقبائهم، وكانوا قبل ذلك يتقاتلون ويتصارعون، ويذبح كل واحد الثاني من أجل كرسي الحكم، لكنه الإيمان، فعندما آمنوا تغير كل شيء، كل واحد يضع يده الآن على كتف الآخر.
إن الذي جمع الأوس والخزرج هو نبل الغاية، وسمو الهدف، عندما كان الكرسي هو الهدف، كان الخلاف والنزاع الذي لا نهاية له، ولما أصبحت الجنة هي الهدف وهي الغاية لم يعد للكرسي قيمة، بل أصبح مسئولية وتكليفًا لم يعد تشريفًا، انقلب التنافس على الكرسي إلى التنافس على الجنة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، هذه هي عظمة الإسلام.
في لحظات كان النقباء هم: أسعد بن زرارة، البراء بن معرور، عبد الله بن عمرو بن حرام، سعد بن عبادة، عبادة بن الصامت، سعد بن الربيع، عبد الله بن رواحة، رافع بن مالك، المنذر بن عمرو ﵃ أجمعين، كان هؤلاء تسعة هم نقباء الخزرج.
أما نقباء الأوس فكانوا ثلاثة: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان وقيل بدلًا منه: رفاعة بن عبد المنذر ﵃ أجمعين.
ويختفي من أسماء الأوس البطل الإسلامي العظيم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه؛ لأنه لم يحضر أصلًا من المدينة المنورة إلى مكة.
بعد هذا عقد رسول الله ﷺ اجتماعًا مع هؤلاء النقباء قال لهم فيه: (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم) يعني: أنتم مسئولون عن كل الأنصار، (وأنا كفيل على قومي -يعني: المسلمين من أهل مكة- فقالوا: نعم).
إذًا: الآن قسم المسئوليات، الاثنا عشر هؤلاء مسئولون عن الأنصار، والرسول ﷺ مسئول عن المهاجرين، وبعد ذلك طلب منهم أن يختاروا واحدًا منهم يكون رئيسًا لهم، وبالتالي يسهل عملية الاتصال والمتابعة والإدارة وغير ذلك من الأمور، فاختاروا أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه أصغر النقباء ﵁، لما يظهر عليه من موهبة فذة.
وبهذا انتهت مراسم البيعة الفريدة بنجاح في عقر دار المشركين، ووسط الأعداد الهائلة من أعداء الله ﷿، وصدق الله ﷿ إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
13 / 10