91

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ثم هذا علم الصحابة الذين تفرقوا فى الأمصار فى عهد الخلفاء الراشدين يلقى على الفقهاء جميعاً بسبب النجعة والارتحال، فقهاء البلدان يجتمعون ويتبادلون ما توارثوه عن الصحابة، كل بما ورثه، وما وصل إليه علمه، فيدرسون تلك الآراء ويختار كل فقيه من هذه الآراء ما يكون أقرب إلى نزعته، أو ما يكون أقوى دليلا فى نظره، أو ما يراه أصلح للناس فى بيئته وعصره. ثم يتناقشون فيما يرجح كل واحد منهم، وفيما يدع ويذر.

ثم هذا الفقه يجمع فى الكتب ويدون فيها بعد أن دونت السنة، فيرى الفقيه آراء غير مدونة مبسوطة، فيقرؤها ويدرسها وينقدها، ويقبل ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنة.

ثم فى هذا العصر الذى كثرت فيه المناظرات كما رأيت، أخذ الفقه يتجه اتجاهاً كلياً بعد أن كان نظراً جزئياً، فبعد أن كان المفتى أو الفقيه يفتى فيما يقع من الحوادث وما يسأل عنها، ثم يفتى فى صور جزئية يفرضها، أخذ الدرس يتجه إلى الأصول التى تتفرع منها الأحكام الجزئية، ويبنى عليها، ثم أخذوا يشقون الطريق الذى يجب اتباعه، ومكان الأدلة بعضها بالنسبة لبعض، وبعبارة جامعة اتجه تفكيرهم فى مناظراتهم إلى وضع مقاييس الاستدلال الفقهى وأصول الاستنباط، كانوا يتناقشون حول الأحاديث التى يجب الأخذ بها: أيؤخذ بالمرسل مع الحديث المتصل أم لا يؤخذ إلا بالمتصل؟ ثم ما مقام السنة من الكتاب، وما قوتها، أهى مبينة له أم تزيد بالأحكام على أحكامه؟ وهل تبلغ من القوة درجة أن تنسخ بعض أحكامه، وأخذوا يتكلمون فى النسخ: متى يكون؟ وكيف يكون؟ وهكذا عرضت على بساط البحث المسائل الكلية فتجادلوا فيها، واختلفوا فى مسالكهم فيها، كما اختلفوا فى الفروع، ولكن الاختلاف هنا لم يكن بكثرة الاختلاف فى الفروع ثم عرضت قوة الألفاظ فى الدلالة وكيف تفهم النصوص الفقهية وتستخرج الأحكام من ثنايا العبارات.

جاء الشافعى فى ذلك العصر، وفى وسط ذلك اللجب العلمى القوى

91