86

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا، وأن ينصر أهل الكذب منكم على أهل الصدق، وأن تجتمعوا على ضلالة)) انبعثت فكرة كون الإجماع حجة فى الدين، وكان سبباً فى أن الكثرة كانت تعتبر الإجماع دليلا تحتج به فى مجادلتها، فأحد المتناقشين يدعى الإجماع فى دعواه. والآخر ينكره عليه، ولم يكن الذين لم يأخذوا بالإجماع معترضين على مبدئه، بل كانوا معترضين على وجوده.

دخل الإجماع عنصراً من عناصر الجدل، يتنازعه الطرفان فى بعض القضايا سلباً وإيجاباً، وكثر فى المناظرات، وأخذ بعض المتعصبين لآرائهم ينتحلونه كلما أضمحل بهم الدليل، وأعوزتهم الحجة، وكان الشافعى هو الذى صال وجال مع المتناظرين من فرق الفقهاء المختلفة، الغلاة منهم والمقتصدون، ممن كانوا يهاجمون فى جدالهم بالإجماع، لذلك كان ذلك الموضوع من الموضوعات التى احتلت مكاناً فى جدله، ثم احتلت مكاناً فى حو ثه.

أخذ الشافعى بمبدأ الإجماع، وكان الناس قبله يلهجون به من غير أن يتجهوا إلى معرفة أصله من الكتاب، مكتفين بمعرفة أصله من السنة فى الحديثين اللذين نوهنا عنهما من قبل، فلما درسه الشافعى قيل إنه بين أصله من الكتاب، وهو قوله تعالى: ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نولهما تولى، ونصله جهنم، وساءت مصيراً)) (١). وليس من اتباع المؤمنين الخروج بقول يخالف ما عليه جماعة العلماء منهم.

وجد الشافعى الحقائق الشرعية تحمله على الأخذ بأن الإجماع حجة، فلم يجد مناصاً من أن يعترف به، ثم يضبطه، ويضع له المقاييس والموازين التی تکشف بطلان دعوى من يدعيه من غير برهان، ولكنه وجد مجوار ذلك أن دعوى الإجماع فى المجالات لا تقوم على أى أساس علمى، وأنه إن ترك المجادلين والمحامين على المذاهب يدعونه، أدى ذلك إلى الفوضى العلمية

(١) فى هذا الاستدلال نظر سنبينه.

86