365

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

طريقاً للاستنباط، ومن ذلك اختلافهم: هل يجوز تكليف المعدوم، ويفسر ذلك الآمدي فيقول في تصويره:

كشف الغطاء عن ذلك إنا لا نقول يكون المعدوم مكلفاً بالإتيان بالفعل حال عدمه، بل معنى كونه مكلفاً حال العدم قيام الطلب القديم بذات الرتب تعانى - للفعل من المعدوم بتقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب، فإذا وجد مهيأ صار مكلفاً بذلك الطلب والاقتصاد بالقدم(١).

ألا ترى في هذا بحثاً فلسفياً مجرداً لا ينبني عليه شيء من الاستنباط، إذ قد اتفق الطرفان على أن المعدوم هو معدوم لا يوجه إليه خطاب، وذلك أمر معروف بالبداهة لا يختلف فيه أحد، ولكنهم ينقلون الموضوع من ذلك الأمر البديهي الذي لا يختلف فيه أحد إلى أمر آخر فلسفي وهو قيام التكليف بذات الرب سبحانه وتعالى قبل أن يوجد المكلف، وهذه مسألة من علم الكلام، الخوض فيها خوض في أمر نظري فلسفي لا ينبني عليه عمل، وليس أساساً للاستنباط ولا طريقاً من طرقه. بل إنهم لم يمتنعوا في الأصول عن أن يخوضوا في مسائل هي من صميم علم الكلام ولا صلة لها بالفقه إلا من ناحية أن الكلام فيها كلام في أصل الدين. ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء، فقد عقدوا لذلك فصلاً في أصولهم، تكلموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة وعصمتهم بعدها، واختلافهم في الحال الأول، واتفاقهم في الثانية. ولنقبس لك بعض كلامهم لتعرف كيف كانوا يخوضون، فقد جاء في الكلام للآمدي في عصمة الأنبياء ما نصه: أما قبل النبوة فقد ذهب القاضي أبو بكر وأكثر أصحابنا وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل لا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم وآمن بعد كفره، وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة، لأن ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم وهو خلاف مقتضى الحكمة من

(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ ١ ص ٢١٩.

365