(هـ) إذا تعاشر الزوجان على الدوام عشرين سنة، ثم ادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئاً، ولم يكسها، تسمع دعواها، وإن كان الظاهر يكذبها، لأنه قرر أن يناط الإثبات بالبينة واليمين كما ذكرنا، وقد صارت النفقة عند الشافعي ديناً في ذمة الزوج من وقت وجوبها، فكان عليه الأداء، فإن أنكرته، فعليه الإثبات. ولا يكتفي بظاهر العشرة.
وهكذا تجد الشريعة عند الشافعي تناط أحكامها بالأمور الظاهرة المطردة العامة وإن عارضتها دلالات خاصة، وإن كانت ظاهرة أحياناً.
٢١٠ - والقضاء عند الشافعي كما هو عند أكثر فقهاء المسلمين تنفذ أحكامه في الظاهر، ويترك ما بطن. وإن القاضي عليه أن يسير الأحكام على هذا الأساس السابق وهو أن يأخذ بوسائل الإثبات الظاهرة المطردة التي أقامها الشارع معلنة للحق كاشفة له، وهي البينات والأقارير والأيمان، ويستدل على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار)). يستدل من هذا الحديث على أن القضاة إنما كلفوا القضاء على الظاهر، إذ الحديث يفيد أن الباطن قد يكون مجرماً على من قضى له أن يأخذ ما قضى به، وإن القضاء ينفذ ظاهراً والمبطل يدين باطناً، والحديث يفيد أيضاً أن قضاء القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولكن ينفذ في الظاهر، والحل والحرمة حسابهما عند الله. ويقول الشافعي: إن في الحديث فوق ما سبق، دلالة على أن الحكم على الناس يجيء على نحو ما يسمع منهم، مما لفظوا به، وإن يمكن أن تكون نياتهم، أو غيبهم غير ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم (في الحديث) فمن قضيت له فلا يأخذ، إذ القضاء إنما هو بما لفظوا، لا بما غاب عنه وقد وكلهم فيما غاب عنه منهم بنية أو قول إلى أنفسهم، وفيه دلالة على أنه لا يحل لحاكم أن يحكم على أحد، إلا بما لفظ، وألا