304

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأفتى بمقتضاه، ولم ينتظر وحى السماء، ولكنه انتظر، فحق على كل مجتهد أن يمسك عن الاستحسان ولايفتى بما استحسن، بل لا يأخذ إلا من كتاب الله أو سنة رسوله، أو ما انعقد عليه الإجماع، أو ما كان فيه قياس على نص(١).

(د) إن النبي صلى الله عليه وسلم قد استنكر على الصحابة الذين غابوا عنه، وأفتوا باستحسانهم، فقد كان إذا بعث سرية أمر بطاعة الله ورسوله وأميرهم، ما أطاع الله ورسوله، وقد كان منهم في بعض مغازيهم أمور أنكرها، فقد أنكر إحراقهم لرجل لاذ بشجرة، وأنكر قتل من قال: وأسلمت لله تحت حر السيف(٢) فلو كان الاجتهاد بالاستحسان من غير الاعتماد على نص، أو قياس سائغاً جائزاً، ما استنكر النبي صلى الله عليه وسلم مسلكهم، ولاعتبرهم مجتهدين أخطئوا طلب الحق.

(هـ) إن الاستحسان لا ضابط له، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل، فلو جاز لكل مفت أو حاكم أو مجتهد أن يستحسن فيما لا نص فيه، لكان الأمر فرطاً، ولاختلفت الأحكام في النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت، فيقال في الشيء ضروب من الفتيا والأحكام، لا ضابط لها ولا مقاييس تبين الحق فيها، ولا معرفة وجه الصواب منها، وما هكذا تفهم الشرائع، ولا تفسر الأحكام الدينية(٣).

ولا يعترض على الشافعي بأن القياس أيضاً قد يؤدي إلى الخلاف، لأن الخلاف في القياس أهون خطراً من ذلك، ولأن جعل القياس على أساس التشابه في الأوصاف بين أمر قد نص على حكمه، وأمر لم ينص على حكمه - قد قرب بذلك بين المختلفين فيه، وكانت ثمة ضوابط يمكن الاحتكام إليها، والاجتماع حولها، أما الاستحسان فلا شيء فيه يمكن أن يكون ضابطاً يجتمع حوله المختلفون، ويلتقون به.

(١) أخذنا ذلك الدليل من الأم ص ٢٧١ الجزء السابع.

(٢) الأم الجزء السادس ص ٢٠٥.

(٣) الأم الجزء السابع ص ٢٢٣.

304