253

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ومهما يكن أمر هذا الخلاف النظري، فالشريعة بمنجاة من خلافهم، فلم يكن في الاستقراء نسخ في تحريم ما أثبتت العقول قبحه، ولا في طلب ما أثبتت العقول حسنه، ورحم الله ذلك الأعرابي، الذي سئل: لماذا آمنت محمد؟ فقال: ما رأيت محمداً يقول في أمر افعل والعقل يقول لا تفعل، ويقول في أمر لا تفعل والعقل يقول افعل.

١٦٢- وفي الجملة إن النسخ في الشريعة الإسلامية قد ثبت في الدائرة التي رسمناها، وفي تلك الحدود التي ذكرناها، ولقد قرره الشافعي في رسالته فقال رحمه الله في حكمته: إن الله خلق الخلق، لما سبق في علمه مما أراد يخلقهم ربهم، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة، وفرض عليهم فرائض أثبتها، وأخرى نسخها رحمة الخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته، والنجاة من عذابه، فعمتهم رحمته، فيما ثبت ونسخ، ولله الحمد على نعمه.

= تقاس بها الأشياء فيحكم بحسنها أو قبحها، بل يختلف الكم العقلي على الأشياء باختلاف الأشخاص وباختلاف الأزمان واختلاف الأحوال، وما كان ذلك لا يمكن أن يكون وصفاً ذاتياً للشيء، فلم يبق إلا أن حكم الشارع يكون مقياسا. وقال أكثر المعتزلة إن للأشياء حسناً ذاتياً وقبحاً ذاتياً، لأن البداهة تحكم بأن أموراً يدرك العقل حسنها بضرورة إدراكه كإنقاذ الغريق وشكر المنعم والصدق. وأشياء يدرك العقل بالضرورة قبحها كالكفر، وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض منه. وإذا كان العقل يدرك بالضرورة حسن مثل هذه الأشياء وقبحها من غير نظر وترديد بين الأمور، فلابد أن يكون لهذه الأشياء حسن أو قبح ذاتي تستطيع العقول إدراكه، إما بالضرورة، وإما بالنظر والتأمل.

253