252

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

الشرائع الاجتماعية، و النظامية اللازمة لإقامة دولة (١)٠

ولقد اتفق العلماء على أن الأمور التي لا يختلف العقلاء في حسنها وقبحها لأن ما فيها من حسن أو قبح لا يقبل السقوط لم يقع فيها نسخ في الشريعة مثل الإيمان بالله، وبر الوالدين والصدق في الحديث، وحرمة الكذب، وغير ذلك مما تواضع عليه الناس في كل من العصور والأجيال على أنه خير مقبول، أو شر مرذول. فمثل هذا قد اتفق العلماء على أنه لم يقع فيه نسخ، ولكنهم مع ذلك يختلفون في جواز نسخ ما يحسن في العقل أبداً، فالعلماء الذين قرروا أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، وأن للأشياء حسناً ذاتياً، وقبحاً ذاتياً منعوا النسخ في تحريم ما أثبت العقل قبحه وطلب ما أثبت العقل حسنه، والذين قالوا إن الأشياء ليس لها حسن ذاتي، إنما حسنها وقبحها بتحسين الشارع لها بالطلب، وتقبيحها بالنهي جوزوا النسخ (٢).

(١) لقد ذكر الشاطبي في الموافقات أن النسخ كان معظمه بالمدينة، لأن الذي نزل بمكة قواعد كلية، والقواعد الكلية غير قابلة للنسخ، وإنما القابل للنسخ أحكام جزئية، ثم قال: ((كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر، ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام، كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج كإصلاح ذات البين، والعقود وتحريم المسكرات، وحد الحدود التي تحفظ الأمور الضرورية وما يكملها وما يحسنها. ورفع الحرج بالتخفيضات والرخص وما أشبه ذلك - كله تكميل للأصول الكلية، فالنسخ إنما معظمه بالمدينة، لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام، وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لمكان فيه تأنيس أولا القريب العهد بالإسلام، وتأليف لهم.

(٢) اختلف العلماء في كون الأفعال لها حسن ذاتي يدركه العقل، وقبح ذاتي يدركه العقل، فقال الأشاعرة إن الأفعال ليس لها حسن ذاتي ولا قبح ذاتي إنما حسنها وقبحها يجيء من أمر الشارع فتحسن. ومن نهي الشارع فتقبح، وذلك لأن الحسن والقبيح ليس لهما مقاييس مضبوطة=

252