249

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وتعالى شرائع التبيين جميعاً على أنها واحدة، لا تنافر بينها، وذلك بالنسبة لأصلها الكلي وهو التوحيد، ثم لإجماعها جميعاً على ما هو من مكارم الأخلاق وفضائل الناس، وأنها جميعاً ترمي إلى إيجاد جماعة فاضلة، على اختلاف في طرائق معالجة الجماعات لاختلاف هذه الجماعات.

ولذلك قال الله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)) .

فهذه الشرائع السماوية، وإن اختلفت في تفصيلات الأحكام، وفي إصلاح الجماعات لاختلاف البيئات هي متحدة في لبها، متوافقة في أصولها، ونسخ بعضها لبعض إنما هو فيما يتعلق بطريق معالجة الجماعات. فلكل جماعة طرق إصلاحها، ولكل جنس سبيل هدايته، وأخذه إلى الصراط القويم، ولذلك لما جاءت الشريعة الإسلامية بعد نضج العقل البشري، وتكامل نموه، وصقل النفس الإنسانية بتجارب الحقب كانت كلية في أكثر أحكامها المتعلقة بشؤون الاجتماع، وسبل الهداية، وكانت مخاطبة لكل الأجيال اللاحقة، صالحة لكل زمان ومكان، إذ الكلي لا يختلف فيه ولا تتنازع في إدراكه العقول، ولكن طريق تطبيقه على الناس مختلف، فترك الأمر إلى اجتهاد ذوي الفكر.

١٦٠ - والشريعة الإسلامية فيها ناسخ ومنسوخ، وفيها أحكام منسوخة قد جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وربما كان بعضها في القرآن على اختلاف ذلك، وكانت تلك الأحكام مناسبة لأزمانها، وملائمة في أوقاتها، حتى إذا زال ما تقتضي وجودها جاءت الأحكام المحكمة، فنسخت تلك الأحكام المؤقتة، وتركنا النبي صلى الله عليه وسلم على المحكم من شريعته، المقرر الدائم من منهاجه عليه الصلاة والسلام فلا نسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ما جاء حكم مؤقت، إلا بين النبي عليه السلام المحكم الذي

249