228

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

الحجة الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نصر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) وإذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفظ قوله ووعيه وأدائه، فكان كل من يقوم بذلك واحداً، أو جماعة مجيباً دعوته، ولا يكون لأدائه أثره من حمل الفقه إلى غيره إلا إذا كان كلامه مقبولاً عنده، حجة لديه، فكان دليلاً على الإلزام بخبر كل من يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو واحداً، ما دام ثقة عدلاً ضابطاً.

الحجة الثالثة: أنه قد استفاض واشتهر وورد من عدة طرق أن الصحابة كانوا يتناقلون الأحكام الشرعية بأخبار آحادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وأقرهم على تلقيهم تلك الأحكام بخبر الواحد، فلو كان خبر الواحد لا يكفي للعمل بالحكم لبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي أن يأخذوا أحكام دينهم إلا من جمع يؤمن تواطؤه على الكذب، ويكون ذلك من تبليغ رسالته، وبيان شرعته، بل النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي تبليغ الأحكام بواحد يرسله، فلو كان الشرع لا يتلقى عن واحد، ولو كانت الرواية لا تتم إلا برواية الكافة ما اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بإرسال واحد يخبر عنه، ويبين شرعه، وإنا ننقل لكم بعضاً من ذلك، وقد سرد الشافعي منه كثيراً.

ومما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، وذلك بينما الناس بقباء يستقبلون بيت المقدس في صلاة الصبح، فأتاهم آت يخبرهم بما نزل من القرآن، فاستداروا إلى الكعبة، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، ولم يكونوا ليفعلوه بخبر واحد إلا عن علم بأن الحجة ثبتت بمثله، إذا كان من أهل الصدق، ولو كان ما قبلوا من

278