182

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ذلك هو توسعه فى مبنى الأمارات تدل على الاختيار، فهو يعتبر مجرد الذكر لدليل أحد الرأيين دليلٌ اختياره، مع أنه ربما ترك الدليل الرأى الآخر لظهور الدليل ووضوح القياس فيه، وأنه إذ توسع فى أمارات الاختيار والترجيح، فقد ضيّق المسائل التى ترك الرأيان فيها من غير اختيار لأحدهما.

النوع الخامس: أن يذكر الشافعى فى المسألة قولين: أحدهما طريقة القياس، والثانى طريقة الخبر والسنة، ثم يختار ما وافق السنة، وقد ذكر الرازى ذلك النوع من الأمور التى روى للشافعى فيها قولان، ولهذا ليس منها فى شىء لأن القياس آخر الأدلة فى الشريعة عنده، فلا رأى يبنى على القياس فى موضع النص من كتاب أو سنة، فذكره للسنة بجوار القياس معناه رفض القياس البتة.

١٢٠ - وإنك لترى الرازى كغيره من متعصبى الشافعية يظنون أن كثرة الآراء للشافعى لا تليق به فيدفعونها عنه، ويقللون عدد المسائل التى قال فيها أكثر من رأى، وترى بجوارهم المتعصبين على الشافعى يرون كثرة الآراء منقصة فيه، ودليلًا على عدم الوصول إلى الحق، وذلك نقص فى العلم، وقد رددنا زعمهم، وبينا أن العلم يوجب التردد فى كثير من الأحيان، وأن التردد عن بينة علم، واليقين عن غير بينة جهل.

والحق أن الشافعى الذى ألقينا عليك ضوءاً من سيرته وحياته العلمية لابد أن ينقل عنه أكثر من رأى فى المسألة الواحدة أحياناً، ذلك لأنه - رحمه الله - كان مخلصاً فى طلب ما يعتقد أنه الحق فى هذه الشريعة الغراء، والمخلص لا تستحوذ عليه فكرة ولا يسترقه رأى فيحمد عليه، فإن له مقصداً معيناً، وهو طلب العلم لله، وذلك يجعله يفحص آرائه بميزان ناقد كاشف، ونظر مستبين فاحص، وفوق ذلك كان الشافعى ذا فكر حى متحرك يسير فى طلب الغايات العلمية صعداً، لا يسكن إلى غاية حتى يطلب ما وراءها، ومن كانت هذه حاله لا يحمد على آرائه، بل يسيرها دائماً بالميزان الذى

182