156

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وحبل الله الممدود إلى يوم القيامة، إلى أن اضطر العلماء لتدوين السنة ولتدوين الفتاوى والفقه.

جاءت النحل المختلفة فدونت أقوالها، جاء الشيعة فدونوا آراء أئمتهم، وجاء المعتزلة فدونوا آراء علمائهم، واضطر المحدثون أن يدونوا الحديث الصحيح ليتميز من الكلام المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك اتجه الفقهاء إلى تدوين آرائهم، فأبو حنيفة قد أثر عنه بعض الكتب، وأبو يوسف قد كتب كتاب الخراج للرشيد، وله كتب غيره، ومحمد بن الحسن يدون آراء العراقيين، ويحكم تصنيفها، فجاء الشافعي إذن في عصر قد اتجه العلماء فيه إلى تدوين آرائهم، وآراء شيوخهم، فاتجه إلى تدوين اتجاههم.

ويذكر بعض الرواة أن أول تأليفه كان للرد على فقهاء الرأي، فقد قال البويطي: قال الشافعي اجتمع علي أصحاب الحديث، فسألوني أن أضع رداً على كتاب أبي حنيفة، فقلت لا أعرف قولهم، حتى أنظر في كتبهم، فأمرت فكتبت لي كتب محمد بن الحسن، فنظرت فيها سنة، حتى حفظتها، ثم وضعت الكتاب البغدادي.

وإذا صح ذلك الخبر فإنه يدل على أن أول كتاب للشافعي كان يحاكي بتدوينه طريقة أهل العراق في تدوين الآراء، وعلى أن أول كتبه كان في الرد والمناظرة، وأنه لم يكتبه وله آراء مستقلة، بل كان يدافع فيه عن فقه الحديث، أو فقه أهل المدينة، أو فقه مالك بالذات، لأنه كان يطلب المدنيين، ولأنه كان عقب أن اطلع الشافعي على كتب محمد بن الحسن، وذلك بلا ريب كان في قدمته الأولى إلى بغداد أي قبل أن يستقيم له رأي في الاجتهاد، يستقل به عن طريقة مالك رضي الله عنهما.

ومهما يكن من قول في شأن ذلك الكتاب، فإن الشافعي بعد أن استقل بطريقته في الاجتهاد والبحث والفتيا، أخذ يؤلف الكتب، ويدون المبادئ فيها التي وضعها للاستنباط، وآراءه في المسائل المختلف فيها، ثم يدون

156