147

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وإما من ناحية نسخ بعضها لبعض، ثم يبنى استنباطه على أساس الثابت المحكم منها، ثم أخذ يدرس أدلة القرآن بجوار ما جمع من أدلة السنة، وانتهى من ذلك إلى مقام السنة من القرآن، وهكذا.

ونستطيع أن نقول إن تفكيره في هذه الفترة كان في الكليات أكثر منه في الفروع، ولعل أكثر دروسه في حلقته كان يتجه بها هذا الاتجاه يدارس فيها تلاميذه طرائق الاستنباط ووسائله، ويوازن بين المصادر الفقهية، وينعرض للفروع بمقدار ما يوضح نظرياته.

ولعل تلك الدراسة الكلية هي التي استرعت الإمام أحمد بن حنبل عندما رأى الشافعي في حلقة درسه بمكة، وجعلته يترك حلقة ابن عيينة، وهو يروي عن الزهري إلى حلقة الشافعي، حتى إذا لامه لائم في ذلك قال له: ((اسكت)) فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول، وذلك لا يضرك، أما إن فاتك عقل هذا الفتى، فإني أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي، ثم لعل مجيئه بهذه الكليات هو الذي جعل أحمد يقول فيه: كان الفقه قفلاً على أهله، حتى فتحه الله بالشافعي.

ولقد كانت أول ثمرة من ثمرات ذلك الدور الخصب هو تلك الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن مهدي، وكانت بطلبه، فلقد ذكرنا فيما أسلفنا من القول أن عبد الرحمن بن مهدي كتب إلى الشافعي، وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع فنون الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، وقد بينا أن ذكر كونه شاباً يجعلنا نميل إلى أن كتابته لها كانت والشافعي بمكة، ولكن بعض الروايات تذكر أن تلك الكتابة كانت، وهو ببغداد، ولا بد أن يكون ذلك عند قدومه إليها القدمة الثانية، وعلى أي حال فهي ثمرة دراسته بالبيت الحرام.

٩٩- قدم الشافعي بتلك الدراسة إلى بغداد، ونشرها في حلقاتها، فكانت أمراً جديداً عندهم، حتى لقد قال الكرابيسي: ما كنا ندري

147