133

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

انظر إلى ذلك التتبع، وأخذ الطرق على المناقش حتى يفحمه، وكذلك كانت مناقشة المعتزلة للكفار وغيرهم ممن على شاكلتهم، ومع هذا يجب أن نقرر أنه مع هذه المناقشة الحادة التي كانت تقوم بينهم وبين المعتزلة، كان هؤلاء يحسنون في معاملتهم، وتلك أخلاق العلماء تتسع صدورهم لمودة مخالفيهم في الدين، حتى يهديهم الله سواء السبيل.

٩٠ - مجادلتهم مع الفقهاء والمحدثين : من المقرر في كتب علم النفس أن المختلفين إن تقاربا في العقيدة كان الجدال أشد، والملاحاة أحد(١)، وذلك ما كان، فإن موضع الخلاف بين المعتزلة والفقهاء هين متدارك، لا يكفر به مخالف، ولا يخرج به عن نهج الذين يجادل، ولكن الجدال بينهما كان عنيفاً، والمهاترة قد راجت سوقها، ولعل السبب فوق ما سبق أن الاختلاف كان اختلاف عقلية ومنطق، وطرائق تفكيرهم في فهم هذا الدين القويم، فالفقهاء والمحدثون يتعرفون دينهم من القرآن والسنة، وعملهم العقلي فهم نصوص الكتاب الكريم، وتعرف الصحيح من المأثور عن الرسول الأمين، ويعدون طلب الدين من غير هذا الطريق شططاً وتحيفاً وعوجاً، والمعتزلة يرون أن إثبات العقائد بالأقيسة العقلية جائز إن لم يكن واجباً، ما دامت لم تخالف نصاً في الدين بل تؤيده، وهم لذلك يستخدمون المنطق والبحوث الفلسفية، في إثبات عقائد الإسلام بها، وأولئك الفقهاء جافونها ويرون الوقوف عند النص، حتى لا تزل الأقدام في مزالق الضلال، ومخاطر الأوهام، والعقل يخدع ويغتر فيضل.

وليس معنى هذا الكلام أنه لم يكن هناك خلاف، بل كان بينهما خلاف في جزئيات كثيرة، ولكنه لا يصيب لب العقيدة، ولذلك هم لا يكفرون الفقهاء والمحدثين، وهؤلاء لا يكفرونهم، بل يعدونهم مبتدعة.

وجدالهم كان صورة لاختلاف هاتين العقليتين، واقرأ مجادلتهم في مسألة

(١) ذكر هذه القضية وأثبتها جوستاف لوبون، في كتابه ((الآراء والمعتقدات)).

133