129

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

بل كان التحيز رائد المتهمين، والتعصب باعثهم، وكل تعصب يسد مسامع الإدراك في ناحية من النواحي، فالمعتزلة فيهم خير كثير، (ولو انتمى إليهم بعض المتهمين في دينهم المأخوذين بإئمهم) إذ أن لهم سابقة الفضل بالدفاع عن الإسلام، فقد تفرق أتباع واصل في الأقطار الإسلامية رادين على أهل الأهواء، وكان عمرو بن عبيد حرباً على الزنادقة مشبوبة، لا يحمد أوارها، وكان صديقاً لبشار بن برد، فلما علم منه الزندقة سعى في نفيه من بغداد فنفي منها، ولم يعد إلا بعد موت عمرو.

وكان منهم العباد الزهاد، فعمرو بن عبيد هذا (١) يقول فيه الجاحظ (متعصباً): إن عبادته تفي بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين.

وقال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد وزيره لم لم تول أصحابى (المعتزلة) القضاء كما تولى غيرهم، فقال يا أمير المؤمنين إن أصحابك يمتنعون عن ذلك، وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فذهبت إليه بنفسي، واستأذنت فأبى أن يأذن لي، فدخلت من غير إذن، فسل سيفه في وجهي، وقال الآن حل لي قتلك، فانصرفت عنه، فكيف أولي القضاء مثله.

ومن الغريب أن جعفراً هذا حمل إليه بعض أصحابه درهمين فقبلهما، فقيل له: كيف ترد عشرة آلاف درهم وتقبل درهمين؟ فقال أرباب العشرة أحق بها مني، وأنا أحق بهذين الدرهمين، لحاجتي إليهما، وقد ساقهما الله إلى من غير مسألة، وأغناني بهما عن الشبهة والحرام.

فهذه نفس قوية تسد كل باب للشبهات اشتبه في مال السلطان، لظنه أنه جمع من غير الطرق المحللة، فرفض العطاء، وقبل الدرهمين حلالا طيباً.

(١) كان المنصور يبالغ في تعظيم عمرو بن عبيد وقيل إنه رثاه بقوله:

صلى الإله عليك من متوسد قبراً مررت به على مران

قبراً تضمن مؤمناً متخشعاً عبد الإله ودان بالقرآن

وإذا الرجال تنازعوا في شبهة فصل الحديث بحجة وبيان

ولو أن هذا الدهر أبقى صالحاً أبقى لنا عمراً أبا عثمان.

129