128

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ومنهم من دافع عن هذا الإرهاق وذلك الاضطهاد. انظر إلى قول الجاحظ في تبرير عمل الخلفاء في امتحانهم الفقهاء والمحدثين: وبعد فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان كل كشف هتكاً، وكل امتحان تجسساً لكان القاضي أمتك الناس لستر، وأشد الناس تتبعاً لعورة)) .

إن انهزام الآراء التي تناصرها القوة المادية أمر محتوم، لأن القوة المادية رعناء هوجاء من شأنها الشطط، والخروج على الجادة، وكل رأي يعتمد على هذه القوة في تأييده تنعكس عليه الأمور، لأن الناس يتظننون في قوة دلائله، إذ لو كان قوياً بالبرهان، ما احتاج في النصرة إلى السلطان.

(و) كان كثيرون من ذوي الإلحاد يجدون في المعتزلة عشاً يفرخون فيه بمفاسدهم وآرائهم، ويلقون فيه دسهم على الإسلام والمسلمين، حتى إذا تبدت أغراضهم أقصاهم المعتزلة عنهم، فابن الراوندي كان يعد منهم، وأبو عيسى الوراق، وأحمد بن حائط، وفضل الحدثي، كانوا ينتمون إليهم، وكل هؤلاء اتهموا بأنهم أحدثوا الأحداث في الإسلام، وأتوا بالمنكرات، وكان منهم من استؤجر من اليهود لإفساد عقيدة المسلمين، وانتماؤهم للمعتزلة أول أمرهم، وإن فصلوا عنهم عند ظهور شنائعهم يجعل رشاشاً مما لطخوا به ينال سمعة المعتزلة وإن أقسموا جهد أيمانهم أنهم منهم براء، فإن الاتهام أسبق إلى الأذهان من البراءة.

٨٧ - اتهام الفقهاء والمحدثين لهم: اشتدت حملة أولئك على المعتزلة فاتهموهم في كل شيء حتى أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أفتى بأن من صلى خلف المعتزلي يعيد صلاته، والإمام أبو يوسف عدهم من الزنادقة، والإمام مالك لم يقبل الشهادة من أحدهم. وسرت مقالة السوء إلى ما ينتمي إليهم، حتى اتهموهم بالفسق وانتهاك المحرمات. وفي الحق إن كل خصومة تؤدي إلى الملاحاة لابد أن تؤدي إلى المهاترة، ورمى الخصم خصمه بالحق والباطل، فكثير من التهم التي وجهت إلى المعتزلة لم تصدر عن إنصاف.

128