125

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ويحكى المسعودى فى مروج الذهب: (( أن يزيد بن الوليد كان يرى رأى المعتزلة ويعتقد بصحة أصولهم الخمسة)) .

ولما جاءت الدولة العباسية ، وكان سيل الإلحاد والزندقة قدطم - وجد خلفاؤها فى المعتزلة سيفاً مسلولا على الزنادقة فلم يفلوه ، وحرباً شعواء منهم على الإلحاد فلم يخمدوها ، حتى جاء المأمون فشايعهم ، وقربهم ، ورأى ما بينهم وبين الفقهاء من خلاف ، فكان يعقد المناظرات بين الفريقين ، لينتهوا إلى رأى واحد ، ولكنه سقط سقطة ما كان لمثله أن يقع فيها ، وهو أنه أراد - أو من حوله - أن يحمل الفقهاء والمحدثين على رأى المعتزلة فى القرآن بقوة السلطان، وما كانت قوة الحكم لنصرة الآراء، وحمل الناس على غير مايعتقدون، وإذا كان من المحرم الإكراه فى الدين فكيف يحل حمل الناس على عقيدة ليس فى مخالفتها كفر، بل تنزيه، فقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بخلق القرآن، فأجابه بعضهم إلى رغبته تقية ورهباً، لا إيماناً واعتقاداً، وتحمل آخرون العنت والإهانة والسجن الطويل ، ولم يقولوا غير ما يعتقدون ، واستمرت تلك الفتنة طول خلافة المعتصم والواثق ، لوصية المأمون بذلك، وزاد الواثق الإكراه على نفى الرؤية وهو الرأى الذى يراه المعتزلة . ولما جاء المتوكل رفع هذه المحنة ، وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجرى فى مجاريها ، وللناس فيها ما يختارون .

٨٦ - منزلة المعتزلة عند معاصريهم : شن الفقهاء والمحدثون الغارة على المعتزلة ، فكان هؤلاء بين عدوين كلاهما أيدٍ قوى الزنادقة ومن على شاكلتهم من ناحية ، والفقهاء والمحدثون من ناحية أخرى، وإنك لترى فى مجادلات الفقهاء ومحاورتهم تشفيعاً على المعتزلة . كلما لاحت لهم بارقة ، وإذا سمعت الشافعى وابن حنبل وغيرهم يذمون علم الكلام ، ومن يأخذ العلم على طريقة المتكلمين فإنما المعتزلة أرادوا بذمهم ، وطريقتهم أرادوا بتزييفهم ، ولكن ما السر فى كراهية الفقهاء لهم ، وكلا الفريقين يسعى لنصرة الدين، لا يألوا جهداً فى تأييده . ولا يدخر وسعاً فى إقامته ؟ يظهر لى أن عدة أمور تضافرت ، فأوجدت ذلك العداء ، وتعاونت فسبيت تلك البغضاء ، وهذا بعض منها :

125