114

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

فتنكر له عبد ربه في جماعة معه ولم يفارقوه، وبلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلاً نصرانياً جعل له جعلاً يرغب في مثله. وقال: إذا رأيت قطرياً فاسجد له، فإذا نهاك فقل إنما سجدت لك، ففعل ذلك النصراني، فقال قطري: إنما السجود لله تعالى، فقال ما سجدت إلا لك، فقال رجل من الخوارج، إنه قد عبدك من دون الله، وتلا قوله تعالى: ((إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، أنتم لها واردون))، فقال قطري إن النصارى قد عبدوا عيسى ابن مريم، فما ضر عيسى ذلك شيئاً، فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله، فأنكر قطري ذلك عليه وأنكر قوم من الخوارج إنكاره، وبلغ المهلب ذلك، فوجه إليهم رجلاً يسألهم. فأتاهم الرجل: فقال أرأيتم رجلين يخرجان مهاجرين إليكم، فمات أحدهما في الطريق وبلغ الآخر إليكم، فامتحنتموه فلم يجز المحنة: ما تقولون؟ فقال بعضهم: أما الميت فمن أهل الجنة، وأما الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة، وقال قوم آخرون هما كافران حتى يجيز المحنة، فكثر الاختلاف، وخرج قطري إلى حدود اصطخر، فأقام شهراً والقوم في خلافهم (١).

انظر كيف كان ذلك القائد العظيم، يستغل حماستهم، وشدة تعصب كل منهم لرأيه وسذاجة تفكيرهم، وضعف مداركهم، فيؤرث نيران العداوة بينهم ويؤجج لهيب الاختلاف؛ ليكون بأسهم شديداً بينهم، ويكونوا ضعفاء أمام عدوهم، وفي الحق إن مثارات الخلاف بينهم كانت كثيرة، وكثيراً ما كانت من غير باذر لبذور الخلاف بينهم، ولذلك انقسموا إلى فرق كثيرة ولنتكلم كلمة عن أظهر فرقهم ورؤوسهم وهم:

٧٧ - الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي، أي بني حنيفة من القبائل الربعية، وكانوا أقوى الخوارج شكيمة، وأكثرهم عدداً، وأعزهم نفراً قاتلوا بقيادة نافع قواد الأمويين، وابن الزبير تسعة عشر عاماً، ولما

(١) شرح نهج البلاغة المجلد الأول ص ٤٠١

114