109

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

٧٣- ونحن إن وصفنا أكثر الخوارج بالإخلاص في خروجهم على علي والأمويين من بعده، لا ننكر أن هناك غير العقيدة أمورًا أخرى حفزتهم على الخروج: من أعظمها وضوحًا أنهم كانوا يحسدون قريشًا على استيلائهم على الخلافة، واستبدادهم بالأمر دون الناس. والدليل على ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية التي كانت بينها وبين القبائل المضرية الإحن الجاهلية والعداوات القديمة التي خفف الإسلام حدتها، ولم يذهب بكل قوتها، بل بقيت منها آثار غير قليلة مستمكنة في القلوب متغلغلة في النفوس، وقد تظهر في الآراء والمذاهب من حيث لا يشعر المعتنق للمذهب، والآخذ بالرأي، وإن الإنسان قد يسيطر على نفسه هوى يدفعه إلى فكرة معينة، ويخيل إليه أن الإخلاص رائده، والعقل وحده يهديه، وهذا أمر واضح في الأمور التي تجري في الحياة في كل ظواهرها، فالإنسان ينفر من كل فكرة اقترنت بما يؤلمه، وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد أن نتصور أن الخوارج وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء قومًا مضريين، فنفروا من حكمهم، واتجه تفكيرهم إلى آراء في الخلافة نشأت تحت ظل ذلك النفور من حيث لا يشعرون وظنوا أنه محض الدين، ولب اليقين، وأنه لا دافع لهم إلا الإخلاص لدينهم، والتوجه لربهم، وليس بمانع لدينا أن يكون الإخلاص في طلب الدين عند بعضهم لا تشوبه شائبة، ولم يختلط به أي درن من غرض أو عارض من سوء، وأن يكون هو الذي دفع بعضهم إلى الخروج، والله أعلم بما تخفي الصدور.

٧٤- والخوارج كما رأيت أكثرهم من العرب، والموالي كانوا فيهم عددًا قليلاً، مع أن آراءهم في الخلافة من شأنها أن تجعل للموالي الحق في أن يكونوا خلفاء، عندما تتوافر في أحدهم شروطها، إذ الخوارج لا يقصرون الخلافة على بيت من بيوت العرب، ولا على قبيل من قبائلهم، بل لا يقصرونها على جنس من الأجناس، أو فريق من الناس، والسبب في نفور الموالي من مذهبهم أنهم هم كانوا ينفرون من الموالي، ويتعصبون

109