108

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

بنخلة له فقال : هى لكم ، فقالوا: والله ما كنا لنأخذها إلا بثمن قال : ما أعجب هذا. أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ، ولا تقبلوا منا ثمن نخلة!)).

٧٢ - ولماذا كان التعصب للفكرة ، والهوس لها والتشدد فيها مع الخشونة فى الدفاع والتهور فى الدعوة إليها وحمل الناس عليه بقوة السيف ، والعنف والقسوة بدرجة لارفق فيها ، وبحال لاتتفق مع سماحة هذا الدين ؟ السبب فى ذلك فيما أعتقد أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية ، وقليل منهم كان من عرب القرى ، وهؤلاء كانوا فى فقر مدقع ، وشدة بلاء قبيل الإسلام ، ولما جاء الإسلام ولم تزد حالتهم المادية حسناً ، لأن كثيرين منهم استمروا فى باديتهم بلأوائها وشدتها وصعوبة الحياة فيها ، وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة فى التفكير وضيق فى التصور ، وبعد عن العلوم ، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة ، لضيق نطاق العقول ، ومتهورة مندفعة وزاهدة ، لأنها لم تجد ، والنفس التى لاتجد إذا غمرها إيمان، ومس وجدانها اعتقاد صحيح ، انصرفت عن الطموح إلى شهوات الدنيا ، وملاذ هذه الحياة ، واتجهت إلى الحياة الأخرى وإلى نعيمها والرغبة فى التمتع بملاذها ، والابتعاد عما يؤدى إلى جحيمها وشقائها ، ولقد كانت معيشتهم دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف ، إذ النفس صورة لما تألف وترى، ولو أنهم عاشوا عيشة رافهةفاكهة بنوع من النعيم لألان ذلك من صلابتهم ورطبمن شدتهم ، ونهنه من حدتهم ، یروی أن زياد بن أبيه بلغه عن رجل يكنى أبا الخير من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأى الخوارج فدعاه ، فولاه ورزقه أربعة آلاف درهم فى كل شهر ، وجعل عمالته فى كل سنة مائة ألف ، فكان أبو الخير يقول : ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة ، والتقلب بين أظهر الجماعة ، فلم يزل والياً حتى أنكر منه زياد شيئاً فتنمر لزياد، فحبسه، فلم يخرج من حبسه حتى مات . انظر إلى النعمة كيف ألانت من طباعه ، وهذبت نفسه ، وجعلته سمحاً رقيقاً بعد أن كان متعصباً عنيفاً .

108