107

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

أفواجا ، حتى تعب الحجاب من ردهم ، وكان القاضى يصم الآذان كيلا يحكم عليهم بالإعدام ، والمسلمون مشفقون على هؤلاء المساكين ويظنونهم من المحانين . ولقد كان من الخوارج من يقاطع علياً فى خطبته ، بل من يقاطعه فى صلاته ومن يتحدى المسلمين محتسبا للّه فى ذلك . ظانا أنه قربة يتقرب بها إليه ، ولما قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ، وبقروا بطن جاريته قال لهم على : ادفعوا إلينا قتلته . قالوا : كلنا قتلته فقاتلهم على حتى كاد يبيدهم ، ولم يمنع ذلك بقيتهم من أن يسيروا فى طريقهم ، موغلين فى الدعوة إليها والحماسة لها ، فبينهم وبين أولئك النصارى شبه قريب من هذه الناحية .

فالإخلاص للإسلام کان صفات کثیرین منهم ، وإن كان معه هوس بفكرة فيه ، والتأثر بناحية واحدة من نواحيه ، يروى أن عليا رضى الله عنه أرسل إليهم ابن عباس يناقشهم ، فلما وصل إليهم رحبوا به وأكرموه فرأى منهم جباهاً قرحة لطول السجود ، وأيديا كثفنات الإبل عليهم قمص مرحضة (١))). فإخلاصهم لدينهم فى الجملة أمر لا موضع فيه الارتياب ، ولكنه إخلاص قد عراه ضلال فى فهم الدين ، وإدراك لبه ومرماه ، فالمسلم المخالف لهم لاعصمة لدمه ، بينما الذمى دمه معصوم ، قال أبو عباس المبرد فى الكامل : من طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلماً ونصرانياً ، فقتلوا المسلم ، وأوصوا بالنصرانى، وقالوا احفظوا ذمة نبيكم ... لقيهم عبد الله ابن خباب وفى عنقه مصحف ، ومعه امرأته وهى حامل ، فقالوا : إن الذى فى عنقك ليأمرنا أن نقتلك .. قالوا فما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا : فما تقول فى على قبل التحكيم وفى عثمان ست سنين، فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول فى التحكيم ؟ قال : أقول إن عليا أعلم بكتاب الله منكم ، وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة .. قالوا : إنك لست تتبع الهدى، وإنما تتبع الرجال على أسمائها ، ثم قربوه إلى شاطىء النهر ، فذبحوه .. وساموا رجلا نصرانيا

(١) الكامل للمبرد ص ١٤٣ جزء ٢.

107