106

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وخضبوا البلاد الإسلامية بالماء، وشنوا الغارة في كل مكان، ويظهر أن الحماسة التي امتازوا بها كانت هي الوحدة الجامعة بينهم وبين اليعقوبيين، وما صدر عن الفريقين من أعمال متشابهة ما كان إلا لهذه الحماسة وقوة العاطفة، قال العلامة جوستاف لوبون في وصف اليعقوبيين في كتابه الثورة الفرنسية: وتوجد النفسية اليعقوبية خاصة عند ذوي الأخلاق المتحمسة الضيقة، وتتضمن هذه النفسية فكراً قاصراً عنيداً يجعل اليعقوبي كثير السذاجة، ولما كان لهذا لا يدرك من الأمور إلا علائقها الظاهرية، فإنه يظن أن ما يتولد في روحه من الصور الوهمية حقائق، ويفوته ارتباط الحوادث بعضها ببعض، وما ينشأ عن ذلك من النتائج، ولا يحوم بصره عن خياله أبداً، إذن فاليعقوبي لا يقترف الآثام لتقدم منطقه العقلي، إذ لا يملك منه إلا قليلا، وإنما يسير مستيقناً، وعقله الضعيف يخدم اندفاعاته حيث يتردد ذو المدارك السامية فيقف.

وإن هذا الوصف البديع لليعقوبيين هو وصف كامل صحيح لأكثر نواحي الخوارج النفسية، وسترى فيما يلي من الحوادث والمناقشات ما يؤيد ذلك، ويثبت صحته.

٧١ - ولم تكن الحماسة والتمسك بظواهر الألفاظ فقط هي الصفات الواضحة في الخوارج، بل هناك صفات أخرى منها حب الفداء والرغبة في الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع قوي يدفع إلى ذلك، وربما كان منشأ ذلك هوساً عند بعضهم واضطراباً في أعصابهم، لا مجرد الشجاعة والتمسك بالمذهب فقط وإنهم ليشبهون في ذلك النصارى الذين كانوا تحت حكم العرب في الأندلس، فقد أصاب فريقاً منهم هوس جعلهم يقدمون على أسباب الموت بسبب عصبية جامحة، وفكرة فاسدة. اقرأ ما كتبه الكونت هنري دي كاستري في وصفهم، إنك سترى وصفاً ينطبق في كثير من النواحي على الخوارج، فقد قال: أراد كل واحد (من هؤلاء النصارى) أن يذهب إلى مجلس القضاء ليسب محمداً ويموت، فتقاطروا عليه أفواجاً

106